|
مجزرة كفرقاسم على حقيقتها |
|
|
|
الصفحة 2 من 12 أول الكلام في التاسع والعشرين من تشرين الأول 1996, ومع إكتمال الساعة الخامسة مساءاً يكتمل العقد الرابع للمجزرة الرهيبة التي إقترفها حرس الحدود الإسرائيلي في كفر قاسم, القرية العربية الواقعة في أقصى جنوبي المثلث العربي المحاذي لرأس العين ولقريتي كفر برا وجلجولية. ولمن يريد أن يقف على أبعاد هذه المجزرة فلا بد له من إدراك أهمية موقع كفر قاسم. فهي قرية حدودية تفصل بين إسرائيل والضفة الغربية, وقد ضمت لإسرائيل مع بقية قرى المثلث بحكم إتفاقية الهدنة التي أبرمت بين الممكلة الهاشمية والحكومة الإسرائيلية, والتي قضت بتجزئة فلسطين بين الطرفين. وتم ذلك بعد أن رفعت حرب عام 1948 أوزارها, ولكن أحداً لم يسأل أهل قرى المثلث عن رغبتهم في الإنضمام إلى الدول اليهودية الناشئة, ومنذ اليوم الأول لضم المثلث لإسرائيل بدأ العد التنازلي, والذي صادفت بدايته الساعة الخامسة من التاسع والعشرين من تشرين الأول قبل أربعين عاماً خلت. تسعة وأربعون شهيداً وشهيدة من أطفال وشيوخ, نساء ورجال, فتية وفتيات, سقطوا شهداء شهوة عسف حرس الحدود الإسرائيلي. مشاهد تضرم نيران الإنسانية التي تستنجد طالبة الرحمة, ولكن الرحمة لم تكن عند مدخل البلد فتتابع سقوط الضحايا عنده, وإمتزجت الدماء الزكية بالتربة التي ستبقى شاهدة على عمق المأساة. وبكل الألم والإشمئزاز لا بد لذاكرتنا الحية أن تستعيد سلسلة المجازر التي إرتكبت بحق شعبنا الفلسطيني. ويدرج إسم كفر قاسم من جديد في كل مقال وخطاب لدى وقوع أعمال دموية رهيبة مثل صبرا وشتيلا, والأقصى, والحرم الإبراهيمي وحتى قانا. ولكن ما يميز هذه المجزرة الرهيبة, والمفروض أن يثير إهتمام كل مواطن داخل إسرائيل وخارجها, هو أن ضحايا المجزرة المستهدفين هم من مواطني هذه الدولة نفسها, ونفذت بأيدي وحدة تابعة لشرطة إسرائيل. أي أن الأساليب التي إستخدمت ضد هؤلاء المواطنين العرب هي نفسها التي تستخدم في العادة ضد من يعتبر عدو الدولة. وإذا كان المجتمع الإنساني برمته يحرم قتل المدنيين بدم بارد حتى في حالة حرب, فكم بالحري عندما نتكلم عن مواطني الدولة نفسها الذين يتمتعون بحقوق وواجبات بقية مواطني الدولة من أصل قومي آخر, ونعني هنا المواطنين اليهود. بعد أن تنقضي ساعات المجزرة تترسب الآلام وتنزف الجروح, آلام عائلات تيتمت بفقدان آبائها, وعائلات ثكلت أبناءها, آلام قرية بأكملها تحيي في كل سنة ذكرى الحوادث الدموية التي لا تمحوها الأيام مهما مر عليها ذيل النسيان الطويل, وجروح تنزف في تاريخ هذا الشعب الذي لم يصل بعد إلى شاطئ الأمان. وتنتصب وثائق ومحاضر المحكمة شاهدة على فظائع تلك الأيام. فقد حظيت كفر قاسم مثل صبرا وشتيلا, والحرم الإبراهيمي, بلجنة تحقيق ومحكمة دونت شهادات شهود العيان. وأرخت الكتب والمقالات الحوادث لتكشف أموراً لم تنكشف من قبل. والأهم من ذلك هو البعد التاريخي الذي تكتسبه المجزرة المفجعة على مدى الأيام مما يزيد فهمنا لها. علينا جميعاً أن ندرك الدوافع الحقيقية لإرتكاب المجزرة, ومجريات الأمور من خلف أبواب المحكمة المغلقة, والسر الكبير الذي لم يسمح للضحايا معرفته. بعد إنقضاء أربعين عاماً بدأت الحقائق تظهر الواحدة تلو الأخرى بشكل غير منتظم. وكان علينا تركيب وجمع كل الأجزاء المبعثرة حتى تكتمل الصورة, لأن من حقنا أن نعرف الحقيقة.
|