|
الصفحة 11 من 12 بين الأمن والديموغرافيا اليوم, بعد إنقضاء أربعين عاماً على وقوع المجزرة يبقى السؤال مطروحاً, هل حدث تغيير في السياسة الحكومية تجاه الجماهير العربية بشكل عام وكفر قاسم بشكل خاص؟ إن المعاملة الحكومية مع كفر قاسم بالذات تعطينا صورة واضحة للتوجه العام تجاه العرب من مواطني الدولة. النظرة الحكومية تجاه قرى المثلث تغيرت بلا ريب, لكنها في جوهرها بقيت كما هي, فقرى المثلث لم تكن مشكلة أمنية في نظر الدولة, ولكنها إتضحت مشكلة ديموغرافية. صحيح أن كفر قاسم لا تزال موجودة في موقعها الجغرافي, إلا أن وضعها الإقليمي تغير تماماً. ففي أيام المجزرة كانت البلد قرية حدودية, وإعتبرت كبقية قرى المثلث مشكلة أمنية. ولكن بعد إحتلال الضفة الغربية إمتدت الحدود شرقاً حتى نهر الأردن, وفقدت كفر قاسم بذلك موقعها الحدودي, وتحولت إلى تجمع سكاني موجود على هوامش مركز إسرائيل السكاني الأكبر, إذ تبعد عن تل أبيب مسافة 30 كم فقط. وضع كفر قاسم الإقليمي الجديد نابع من التغيير في الوضع السياسي بعد إحتلال الضفة الغربية. فالإحتلال لم يغير الوضع القانوني لهذه المنطقة لأسباب عدة, منها التخوف من ضم مليوني عربي إضافي إلى إسرائيل, والمعارضة الشديدة للحركة الوطنية داخل المناطق المحتلة, وكذا المعارضة العربية والدولية, لإتخاذ خطوة من هذا القبيل. ولكن إستحالة ضم المناطق المحتلة إلى إسرائيل لا يعني وجود نية للتنازل عن هذه المناطق أيضاً, إذ إنتهجت طريقة الإستيطان. وفي حين إنتقلت الحدود شرقاً, بدأت إسرائيل بعملية إستيطانية مكثفة كان هدفها شطب الخط الأحمر كخط فاصل بين الضفة الغربة المحتلة وبين إسرائيل. واليوم هناك إجتماع على إختلاف التيارات الفكرية والحزبية الصهيونية بالنسبة لضم هذه المستوطنات القائمة في المناطق المحاذية للخط الأخضر إلى إسرائيل ضمن الحل النهائي مع الفلسطينيين. ولكن من أجل تحويل هذا المطلب إلى أمر واقع فعلى إسرائيل خلق تواصل سكاني مباشر بين التجمعات الإستيطانية والمراكز السكانية داخل الدولة, وهنا تدخل كفر قاسم إلى الصورة. فهذه القرية, ومثلها بقية قرى المثلث, تشكل اليوم حاجزاً سكانياً عربياً بين المستوطنات في الضفة الغربية وبين المراكز السكانية داخل إسرائيل, إذ يشكل العرب في المثلث الأغلبية الساحقة من السكان. وبهدف التغلب على هذه المشكلة الجديدة, شرعت حكومة الليكود عام 1991 في تخطيط خطة إستيطانية في منطقة المثلث بالذات لتغيير طبيعتها الديموفرافية, من خلال بناء قرى ومدن يهودية بمحاذاة الخط الأخضر لخلق هذا التواصل السكاني اليهودي, وبموجب ذلك يصبح المستوطنون في الضفة الغربية
جزءاً لا يتجزأ من التركيبة السكانية الإسرائيلية تماماً كما يحدث اليوم في القدس. وفي فترة حكم حزب العمل الأخيرة تم تنفيذ مخطط النجوم السبع الإستيطاني, فأقيمت مدن جديدة مثل "حاريش" بالقرب من باقة الغربية ووسعت مدينة رأس العين المجاورة لكفر قاسم. ويقضي مخطط النجوم السبع على كل إحتياطات الأراضي في جوار القرى العربية. والشارع القطري رقم 6 الذي يتمركز دوره الأساسي في ربط التجمعات الجديدة في مركز إسرائيل, يمر في الأراضي الزراعية للقرى العربية مبتلعاً ما تبقى من أراضيها. واليوم تحول مخطط الطرد الفاشل إلى سياسة خنق تمنع القرى العربية من إمكانية التطوير. ولا يزال الكثير من الشخصيات التي لعبت دوراً سياسياً أو عسكرياً في أيام المجزرة, موجودة في مراكز صنع القرار في أيامنا هذه. ووقع في نصيب كفر قاسم التعايش مع رأس العين, وهذا النوع من التعايش يدل على نوع التعايش بين دولة إسرائيل ومواطنيها العرب. في عام 1991, أي قبل الشروع في تنفيذ خطة النجوم السبع, كان عدد سكان كفر قاسم ورأس العين متساوياً, وبلغ حينها 11,000 نسمة, ولكن اليوم في أعقاب إتساع رأس العين شرقاً, تضاعف عدد سكانها, وأصبحت مدينة متطورة وجميلة, بينما بقيت كفر قاسم على ما كانت, وتأزمت معاناتها من المشاكل السكنية كما هو الحال في بقية القرى والمدن العربية. ولكن القضية لم تنته عند هذا الحد. فقد فقدت كفر قاسم مساحات واسعة من أراضيها بعد المجزرة مباشرة من خلال تسوية الأراضي مع دائرة أراضي إسرائيل, ومن خلال لجان الحدود المختلفة التي شكلتها وزارة الداخلية, والتي حظيت من خلالها رأس العين بأراض إضافية صودر جزء كبير منها من أصحابها العرب. ومما يزيد الطين بلة إقامة المنطقة الصناعية لرأس العين على أراض محاذية لبيوت كفر قاسم من الجانب الجنوبي بهدف إستيعاب القادمني الجدد. ولا شك أن هذا يشكل نموذجاً لما يسمى بالتعايش غير المتكافئ, إذ من الجلي تطوير رأس العين يأتي على حساب كفر قاسم. مخطط "خلد" ألغي بالفعل وفشلت أهدافه, إلا أن خطة النجوم السبع أتت لتسد الفراغ. ولا يزال إستهداف عرب المثلث مستمراً. فمن طابور خامس تحولوا إلى مشكلة ديموفرافية, ثم إلى حاجز بين جانبي الخط الأخضر أو إمتداد سكاني للمحيط العربي في الضفة الغربية. إن المواصفات تتغير من خبير لخبير ومن مسؤول حكومي لآخر, ومن حكومة لأخرى, ولكن تبقى كفر قاسم مشكلة بحاجة إلى حل دائم, وليس قرية لها وجود طبيعي ومتساوي في البلاد. والحقيقة هي واحدة: دولة إسرائيل لا تتعامل مع كفر قاسم بإنصاف, فالتفرقة بين المجتمع العربي واليهودي بقيت على ما هي من اليوم الأول لتأسيس الدولة حتى يومنا هذا.
|