مجزرة كفرقاسم
لمحة عن كفرقاسم
كتاب الماضي والحاضر
الذكرى ال50 لمجزرة كفرقاسم
المجزرة على حقيقتها
جرح النكبة - كفرقاسم
مذكرة توفيق طوبي
شعر المجزرة
معرض الصور
صوت وصورة
Hebrew
English
دخول الأعضاء





هل فقدت كلمة المرور؟
ليس لديك حساب سجل الآن
إعلانات من جوجل:

مجزرة كفرقاسم على حقيقتها طباعة ارسال لصديق
فهرست الصفحات
مجزرة كفرقاسم على حقيقتها
الصفحة 2
الصفحة 3
الصفحة 4
الصفحة 5
الصفحة 6
الصفحة 7
الصفحة 8
الصفحة 9
الصفحة 10
الصفحة 11
الصفحة 12

"الصلحة"

بعد إنصرام عام وشهر على المجزرة, وقبل أن تنتهي محكمة ملينكي وجنوده العشرة, عقدت في كفر قاسم في ساحة المدرسة حفلة الصلحة بين الدولة والقرية. ففي 20 تشرين الثاني 1957 نصب الحاكم العسكري خيمة كبيرة جلس في ظلها كل رجالات  القرية, وعلى رأسهم المختار, ومن الجانب الإسرائيلي شارك وزير الشرطة, بخور شطريت, وقائد المنطقة الوسطى تسفي تسور, وضابط الحكم العسكري العقيد شاحار, وممثلون عن وزارة الأمن والدائرة العربية في الهستدروت, ورئيس بلدية بيتاح تكفا, ف. راشيش. وتسلم العرافة أبراهام شابيرا الذي إعتبر شيخ الحراس إذ كان عمره يناهز 87 عاماً, وقد ترأس اللجنة الشعبية لفحص مطالب سكان كفر قاسم. وكتبت الصحف تفيد أنه ذبح في تلك المناسبة 15 خروفاً و 100 دجاجة حسب الشريعة اليهودية, وعلى حساب الجيش الإسرائيلي.
وإجتهدت الصحف العبرية في تلك الفترة لإعطاء الإنطباع بأن أهل كفر قاسم هم كبقية العرب, أناس بسطاء ومن  السهل أن ينسوا ما  حدث, فمقابل 15 خروفاً كانوا على إستعداد أن يغفروا للدولة جرمها. وللتخفيف من حدة خطورة الحادث الذي كان عبارة عن قتل مبرمج ومخطط عمداً, فقد صور على أنه شجار نجم عن سوء تفاهم وأوامر غامضة. ولكن الواقع الذي نشأ في أعقاب المجزرة كان العكس من ذلك. فكما أن تكثيف الوجود الإستيطاني في الخليل, والضغوطات على أهلها تصعدت بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994, فكذلك الضغط على سكان كفر قاسم بعد المجزرة تفاقم, ومع أن الأمور أختتمت بالصلحة إلا أنها لم تتم حسب الإختيار الحر للسكان وأقرباء الضحايا, بل نتيجة الضغوطات المتواصلة للحكم العسكري وأعوانه.
الحكومة الإسرائيلية, وتحديداً بن غوريون, كانا معنيين جداً بإتمام الصلحة لسببين: طبيعة الأول منهما سياسية, والثاني يتعلق بموضوع التعوضيات. بالنسبة للسبب السياسي فقد تمت الصلحة قبل إنتهاء محكمة المتهمين بإقتراف المجزرة. وإتضح فيما بعد أن بن غوريون كان يخطط لمنح العفو لملينكي بهفد شراء صمته, ولا شك أن الصلحة كانت ضرورية جداً لإفساح المجال أمام بن غوريون لمنح العفو ولإغلاق الملف نهائياً. وبطبيعة الحال فبعد غفران أهل البلد لمرتكبي الجريمة, يفقد حكم المحكمة فعاليته. ومن الواضح أن هذا الصلح شكل ذريعة إضافية لمن إضطر ضد رغبته لتقديم المجرمين للمحاكمة, فإذا كانت الضحية نفسها قد غفرت فكم بالحري الحكومة التي بعثت المجرمين لتنفيذ المهمة, وكانت هي المسؤولة عنهم.
أما السبب الثاني فيتعلق بتنصل الحكومة من المسؤولية الكاملة عن دفع التعويضات لعائلات الضحايا والمصابين. وجاءت الصلحة نتيجة لتصفية قضية التعويضات, وكانت جزءاً لا يتجزأ من هذه الصفقة التي كما ذكرنا, كان للحكم العسكري الدور الرئيسي فيها. فقد وكلت العائلات محامين مقربين من حزب مبام, ومنهم المحامي ش. زاهايم, لتمثيلها أمام الدولة. وقد تفاوض المحامون مع المستشار القضائي آنذاك, حاييم كوهين, وطلبوا تشكيل لجنة وزارية للبت في قضية التعويضات. وذكر أن بن غوريون تعهد في الكنيست بدفع تعويض كامل وعادل للضحايا. وبالفعل وافق المستشار القضائي على الطلب بتشكيل لجنة وزارية من ثلاثة أشخاص برئاسة القاضية هينمان.
إلا أن هذا الإتفاق بقي حبراً على ورق, إذ تبين أن وزارة الأمن التي كانت تحت تصرف بن غوريون, رفضت  إرسال ممثلها للجنة الوزارية. ولعب المستشار القضائي دوراً هاماً في تأجيل الإجراءات, وماطل في الرد على رسائل المحامين. وهكذا أفسح المجال لتشكيل لجنة بديلة تابعة للحكم العسكري عقدت صفقة من وراء الكواليس بموجبها تقرر منح 5,000 ليرة فقط لكل عائلة شهيد وهو ما يعادل ثلث المبلغ المستحق. وقد تولى التأمين الوطني دفع التعويضات بدل وزارة الدفاع كما يحدث عادة مع المصايبن اليهود في حوادث الحرب. وهكذا, وبعد نجاح بن غوريون في تحييد دور المحامين, أوضح المستشار القضائي للحكومة للعائلات أن المجال مفتوح أمامها لتقديم شكواها أمام المحكمة.
وفي خطوة إحتياجية على هذه الممارسات نظم المحامون مؤتمراً صحفياً لكشف الحقائق, رافضين قرار اللجنة الشعبية. كما ندد المؤتمر الصحفي بالصفقة التي نظمها بن غوريون من خلال الحكم العسكري. وحتى حمدالله صرصور, الشخص الوحيد الذي تجرأ على المثول في المؤتمر الصحفي, وهو إبن لأحد شهداء المجزرة, والذي تحدث عن الضغوط التي يمارسها الحكم العسكري على العائلات, إضطر لسحب كلامه في يوم الصلحة نفسه. ولا يتبقى أمامنا إلا أن نستشهد بكلمات رئيس مجلس محلي كفر قاسم الحالي الذي قال أن الشهداء ذبحوا مرتين, مرة يوم المجزرة, ومرة يوم الصلحة الذي كان يعني الإستهتار التام بمشاعر أهل كفر قاسم والجماهير العربية برمتها.
واليوم تمر أمام ناظرينا السنة الأربعون على وقوع مجزرة كفر قاسم ليغلق بذلك عقد إضافي على هذه المجزرة المروعة. وبعد كل ما شهدناه من إتفقايات سلام من ناحية وأحداث دموية من ناحية أخرى سواء في الجنوب اللبناني, أو الحرم الإبراهيمي, أو الأقصى, ينتصب أمامنا السؤال عنيداً, هل آن الأوان لصلحة حقيقية؟ والجواب ليس في جعبة الجماهير العربية بل عند حكام إسرائيل ومديري هذه الدولة. العفو عن ملينكي, وتغريم شدمي بدفع عشرة قروش, والمحاولات المكثفة للتستر على مخطط "خلد", كل ذلك لا يقوي من روابط الثقة بني الجماهير العربية.
شعار الذكرى الأربعين: "إعترفوا بالمجزرة كي لا تتكرر" يعبر دون أدنى شك عن مشاعر الجماهير العربية برمتها. فحتى الآن لم ترفض دولة إسرائيل الإعتراف بحقائق وملابسات المجزرة فحسب, بل تنكر أيضاً تلوث معاملتها مع الجماهير العربية بالأفكار المسبقة والنظرة العنصرية. الفروق الشاسعة القائمة بين المجتمع العربي واليهودي, والتميييز العنصري الذي يمارس بحق المواطنين العرب هي نتيجة لسياسة مبرمجة لإضعاف تمسك العرب بأرضهم ووطنهم. ورغم أن التاريخ إبتلع مخطط "خلد" إلا أن الرؤية التي صحبته محفورة في أذهان الكثيرين في المؤسسة الحاكمة في إسرائيل.
المجازر التي أعقبت المجزرة في كفر قاسم طوت هي أيضاً صفحات إضافية في تاريخ الشعب الفلسطيني. عشرات الآلاف من الشهداء, من خيرة أبنائنا وبناتنا إستشهدوا في سبيل الوطن, ومن أجل إحقاق حقهم في العودة وتقرير المصير. والصلح الذي لا يمكن أن يشترى بالخراف أو الليرات لأن أرواح شهدائنا ليست للفصال. وإذا كانت هناك نية لإبرام الصلح, فهذا يتطلب طرفين لا طرفاً واحداً. وإذا أرادت إسرائيل الصلح حقاً وصدقاً فالطريق مفتوحة واليد ممدودة, ولكن الأسس يجب أن تكون واضحة. فلا صلح دون الإعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف, والإعتراف بحقه في تقرير مصيره فيها.
لقد سجلت كفر قاسم بمعاناتها ودم شهدائها فصلاً إضافياً في تاريخ النضال الفلسطيني, والصلح الحقيقي مع أهلها سيأتي مع إطلاق فجر السلام العادل, يوم يأخذ كل ذي حق حقه, ويوم يتمكن المواطن العربي أن يعيش ككل مواطن في دولة إسرائيل بحرية وعلى قدم المساواة.


 

من نحن | إعلان في الموقع | اتصل بنا | شروط الإستخدام