|
الصفحة 8 من 12 الكذب والعفو في الأول من شباط عام 1959 إستأنف ملينكي وزملاؤه أمام محكمة عسكرية جلس فيها خمسة قضاة برئاسة موشيه لانداو وكان من أعضائها منير بعيل. وبعد ثلاثة شهور قررت المحكمة أن الأحكام التي بلغ أقصاها 17 عاماً كانت قاصية, فخفض أقصاها إلى 14 عاماً, وأطلق على الفور سراح المتهمين الذين حوكموا بأحكام خفيفة. وفيما بعد حصل ملينكي والآخرون على العفو, وأخلي سبيلهم في نهاية عام 1959, ولم يقبع في السجون أي من مرتكبي المجزرة أكثر من ثلاث سنوات. أما العقيد شدمي الذي أعطى الأوامر فقد إقتصر حكمه على توبيخ وغرامة رمزية بقيمة قرش واحد, بسبب فرضه منع التجول خارج نطاق صلاحيته, وهي دون شك تهمة هزيلة مقارنة بخطورة الحادث. لما منح العفو والأحكام الخفيفة على جريمة وصفت بالقتل, وعقدت حولها محكمة مطولة جداً حظيت بإهتمام كافة وسائل الإعلام؟ والجواب هو, منع المتهمين من كشف الحقائق من وراء المجزرة. وماذا كانت الحقائق؟ الأولى والمباشرة تتعلق بمخطط الطرد "خلد", والثانية تتعلق بالإتفاق الثلاثي في سيفير (فرنسا) بين إسرائيل وفرنسا وبريطانيا الذي كان من المفروض بقاؤه سراً, ولكن هناك سر تفوق أهميته كل ما ذكر. بعد أربعين عاماً من المجزرة تنكشف حقائق جديدة توضح أكثر فأكثر ملابسات الحادث الرهيب, والسعي الإسرائيلي الحثيث لتغطية هذه الحقائق. في الثاني من تشرين الأول 1996 نشر الصحافي يوسي ملمان في صحيفة "هآرتس" مقالاً كشف فيه أنه قبل شهر من العدوان الثلاثي على مصر وقعت إسرائيل إتفاقية للتعاون في المجال النووي بينها وبين فرنسا. وبعد إنتهاء العملية العدوانية الفاشلة عوضت فرنسا إسرائيل بمفاعل نووي ذي قابلية لإنتاج قنابل نووية وهذا حسب مصادر خارجية. يوسي ملمان الذي يستند إلى أقوال وشهادات بار أون (مؤلف كتاب "تحد وجدل"), يقول أنه في مؤتمر سيفير الذي خطط عملية العدوان على مصر, توصلت إسرائيل وفرنسا إلى تفاهم توفر فرنسا بموجبه مفاعلاً نووياً لإسرائيل لغرض البحوث العلمية. وكانت خلفية هذا التفاهم هي المشاكل التي عرقلت التفاهم الثلاثي, وخصوصاً بين بريطانيا وإسرائيل, فالفرنسيون الذين تورطوا بالحرب في الجزائر سعوا إلى جر إسرائيل لضرب عبد الناصر. ولإقناعها بقبول المخاطر الكامنة في مغامرة حربية, قام وزير الدفاع الفرنسي, بورجيس مانوري, بإغراء بن غوريون بالوعد بتوفير مفاعل نووي. وفي عام 1957 سلمت فرنسا المفاعل النووي لإسرايل حسب تعهدها, ولكنه لم يكن مفاعلاً صغيراً للبحوث, بل كبيراً قابليته 24 (ميغا فات) من النمط الذي كان في حوزة الفرنسيين. وكان شمعون بيرس هو الذي لعب الدور الرئيسي في الحصول على القوة النووية لتقوية مكانة إسرائيل الإستراتيجية, وهو من إجتهد للوصول إلى الإتفاق الثلاثي ضد مصر والعالم العربي. قضية مجزرة كفر قاسم عرضت المصالح الحيوية الإسرائيلية للخطر. ومن هنا كان مهماً جداً إخفاء الحقائق, لأنها إذا إنكشفت لكان من الممكن أن يؤثر ذلك سلباً على حصول إسرائيل على القوة النووية التي كانت بلا شك من أهم إنجازاتها في مسألة العدوان على مصر. المجرم ملينكي الذي أدين في المحكمة, إلتقى بن غوريون بعد المحكمة, وحينها قال له الأخير: "انت الضحية الحية لهذه الدولة". بعد سنوات قال ملينكي أن بن غوريون عرض عليه صفقة مبطنة تنص على العفو مقابل الصمت. وقد قوى تعاطف بن غوريون عند ملينكي الشعور بأنه الضحية وليس المجرم, وخاصة بعد أن وفر له بن غوريون منصب ضابط الأمن في المفاعل النووي في ديمونا. واليوم يمكننا أن نعي بالصورة أوضح العلاقة بين صمت ملينكي ومنصبه في المفاعل النووي, ثمرة المؤامرة الثلاثية ضد العالم العربي وعلى رأسه مصر. أبراهام تامير الذي وضع مخطط "خلد", قال في مقابلة نشرت في نفس المقال المذكور أعلاه (من صحيفة "حداشوت") أن ملينكي تمسك بمخطط "خلد" كمخرج من المأزق الذي دخل فيه. وإدعى ملينكي أن مجزرة كفر قاسم كانت نابعة من المناخ الذي خلقه مخطط "خلد". ولكن, يقول تامير, المحكمة قررت عدم وجود أية علاقة بين مخطط "خلد" وبين ما حدث في كفر قاسم, وإلا لتوجب محاكمة الجميع بداية من رئيس الأركان وحتى آخر جندي. أقوال تامير لا تدل على طبيعة العدالة الإسرائيلية فحسب, بل تعيد إلى الذاكرة المستشار القضائي للحكومة, يوسف حريش, الذي مثل أمام المحكمة بعد 30 عاماً من مجزرة كفر قاسم في قضية أخرى معروفة ب "قضية الشاباك", والتي تمحورت حول العفو الذي منح لرئيس الشاباك, أبراهام شالوم ومساعديه الذين إتهموا بالقتل المتعمد لإثنين من خاطفي باص رقم 300, عام 1984, وأثناء مثول حاريش أمام المحكمة العليا التي بتت في الإلتماس ضد منح العفو, ومن أجل إعادة تحقيق الشرطة في الموضوع, عبر المستشار القضائي عن موقفه الرافض لأي تحقيق بحجة أن رجال الشاباك سيضطرون بغرض الدفاع عن أنفسهم للكشف عن أسرار دولة إسرائيل منذ تأسيسها أمام المحكمة. (عن كتاب "هزة في الشاباك" ليحيئل غوتمان 1995). تماماً مثل ملينكي فقد رأى رئيس المخابرات المستقيل نفسه ضحية وليس مجرماً. وقد نص كتاب العفو الذي منح له ولزملائه من قبل رئيس الدولة آنذاك حاييم هرتسوغ, على أن تصرف حسب المطلوب منه وضمن صلاحياته. هذه المرة منح العفو حتى قبل أن تقرر الحكومة تقديم المجرمين إلى المحكمة. لماذا تخاف الحكومة من الحقائق وماذا هي الأسرار التي تخفيها؟ إن ما حدث في كفر قاسم يشير بوضوح إلى أن المخابرات الإسرائيلية تنفذ نشاطها حسب سياسة مخططة مسبقاً. وعملية القتل في قضية باص 300 لم تكن الأولى, ولكنها أثارت المخاوف من أنه في حال تقديم المتهمين للمحكمة, سيتم إستدعاء كل المسؤولين الإسرائيليين من اليوم الأول لتأسيس الدولة وجلبهم من قبورهم إذا لزم الأمر, وهذا يتبين من أقوال أبراهام تامير في قضية ملينكي من ناحية, والمستشار القضائي حاريش في قضية الشاباك من ناحية أخرى. العفو الذي منح للمتهمين بإقتراف مجزة كفر قاسم, والقرش الواحد الذي قضي على يد شدمي دفعه, هو ككل الأحكام الهزيلة, والعفو الذي منح لرجال الشاباك, ومن بعده لأعضاء التنظيم السري اليهودي الذين أدينوا بتهمة القتل المتعمد لطلاب جامعة الخليل ومحاولة إغتيال رؤساء البلديات في الضفة الغربية, لا يشير إلى سياسة مخططة من أعلى مستوى فحسب, بل إلى وجود نهج متواصل بكل ما يتعلق بتوجه الدولة للعرب وإحترامهم كبني بشر. وتدل كل هذه الفضائح على أن السياسة المجرمة تجاه العرب صالحة ما دامت سرية, فإذا إنكشفت, تحكم فيها العدالة, ومن بعدها يمنح القانون عفوه, وتموت القضية إلى أن تولد من جديد عند بروز جريمة جديدة.
|