|
الصفحة 9 من 12 المجزرة كنهج في محاولة لإنقاذ أنفسهم من التهمة تذرع مرتكبو الجريمة بأنهم تأثروا بالجو العام الذي شجع طرد العرب من البلاد. شموئيل يزرسكي, قائد حرس الحدود آنذاك, إعتاد على إعطاء محاضرات في الأيام الدراسية لجنود حرس الحدود, وكان يوجه الشرطيين بوجوب الطاعة لكل أمر يتلقونه. يقول يزرسكي في مقابلة أجراها معه الصحافي روزنتل (حداشوت 25/10/91): "أعطيتهم نماذج من عمليات تمت في حرب التحرير (المقصود حرب 1948) التي شاركت فيها بنفسي, مثل العملية في قرية سمسم حيث كان الهدف حمل الناس على الرحيل بأنفسهم". من هنا يمكننا أن نسجل أن كفر قاسم لم تكن إستثناء بل تمثل القاعدة. فمنذ ما قبل إقامة الدولة, وفي كل فترة قيامها, تشغل فكرة الترحيل بال المسؤولين في القيادة الإسرائيلية على المستوى السياسي والعسكري في آن. والمهم ذكره أن كفر قاسم لم تكن فريدة من نوعها أو الأخيرة, فالمجازر مستمرة, وتنفذ بطرق شتى ومتعددة ومبررات مختلفة. وكانت آخر هذه المجازر, حتى كتابة هذه السطور, المجزرة المروعة في قانا اللبنانية. وإذا فحصنا ملابسات كل مجزرة على حدة, لوجدنا تشابهاً في الأهداف وسلوك الحكومة الإسرائيلية التي تسارع للتأسف بعد كل حادث, وتبادر لتشكيل لجنة أو عقد محكمة معينة كوسيلة لإمتصاص غضب الرأي العام العالمي والمحلي, ودفن الجريمة في أعماق التاريخ, وبرؤية تاريخه إلى 40 عاماً مضت من يوم المجزرة في كفر قاسم, يمكننا القول أن تكرر المجازر وأسلوب تعامل الحكومة معها يثبتان وجود نهج نابع من التوجه العام للحركة الصهيونية تجاه العرب, والهدف المشترك لكل المجازر كان وما زال الطرد. قبل ثلاث سنوات فقط من المجزرة في كفر قاسم وقعت مجزرة لا تقل وحشية وشراسة هي مجزرة قبية. ففي الخامس عشر من تشرين الأول قام الجيش الإسرائيلي المكون من الوحدة 101 وكتيبة المظللين 890 بقيادة أرئيل شارون, والمعروفين بشراستهم تجاه العرب, بإجتياز حدود الأردن بهدف إحتلال قرية قبية في الضفة الغربية في منطقة اللطرون. في الإجتماع الذي عقد في تاريخ 13 تشرين الأول 1953, وشارك فيه بن غوريون والقائم بأعمال وزير الدفاع بينحاس لابون, ورئيس الأركان, مكليف, وموشيه ديان, تقرر الرد على عملية فدائية وقعت في بلدة يهود. ووقع الإختيار على قرية قبية كموقع لتنفيذ العملية. ونقل موشيه ديان الأمر إلى العقيد مئير عميت الذي أعد الخطة, وحدد أهدافها وأحدها شن هجوم على قرية قبية بقصد إحتلالها مؤقتاً, ونسف بيوتها, وإصابة سكانها وطردهم من القرية. في الخامس عشر من تشرين الأول دخل رجال الجيش الإسرائيلي القرية حاملين 700 كيلوغرام من المتفجرات, ونسفوا 45 بيتاً دون أن يفحصوا ما إذا كانت خالية من أصحابها. وإستمرت العملية ثلاث ساعات. ولم تسجل أية إصابة في صفوف الجيش الإسرائيلي, ولكن عندما فحص الأردنيون إنقاض البيوت كشفوا عن حجم الكارثة المروعة حيث إستشهد داخل بيوتهم 70 من سكان القرية معظمهم من النساء والأطفال. وكشفت التقارير الأردنية أن القتلى لم يسقطوا بسبب نسف البيوت بل لدخول الجنود الإسرائيليين إلى كل بيت, ورميهم بالرصاص كل شيء حي, وإلقائهم القنابل وهم على علم بأن في البيوت النساء والأطفال. ولم تنف التقارير الداخلية للجيش الإسرائيلي المعطيات الأردنية. المجزرة في قبية أثارت رد فعل عنيف جداً على المستوى الأردني والعالمي خصوصاً في بريطانيا والولايات المتحدة, الأمر الذي أجبر الحكومة الإسرائيلية على إتخاذ موقف من الحادث. وفي المداولات الحكومية طلب موشيه شاريت الذي شغل منصب وزيراً للخاريجة آنذاك, من الحكومة التعبير عن أسفها للحادث. ولكن بن غوريون عارض الإقتراح, وبالمقابل طرح فكرة النفي التام لأي تدخل للجيش الإسرائيلي في العملية. وبأسلوبه الخاص المستهين بمشاعر العالم وعقول الناس إقترح أن تزيف الحكومة الوقائع, وتدي أن المستوطنين القاطنين بمحاذاة حدود الأردن, والذين يعانون من عمليات التسلل, بادروا بأنفسهم بالهجوم على قبية بهدف الإنتقام. وصادقت الحكومة الإسرائيلية على هذ الإقتراح. وبث بن غوريون شخصياً بيان الحكومة الكاذب في الإذاعة الإسرائيلية, وقال أن الحكومة الإسرائيلية ترفض بشكل قاطع الإدعاء الأردني الخيالي بمشاركة 600 جندي في العملية في قبية. وإدعى أنه تبين من الفحص الدقيق عدم مشاركة أي من وحدات جيش الدفاع, وحتى أنها لم تخرج من قواعدها ليلة الهجوم على قبية. مجرة صبرا وشتيلا التي وقعت إبان إجتياح إسرائيل للبنان في عام 1982 حين دخلت قوات الكتائب المارونية إلى المخيمين, وأجهزت على سكانها أمام ناظري الجيش الإسرائيلي الذي سمح لها بالدخول, تثبت هي أيضاً أن الهدف كان الترحيل, فالحكومة الإسرائيلية التي سعت للسيطرة على بيروت, ومن خلالها
على كل لبنان, خططت لطرد اللاجئين الفلسطينيين شرقاً بإتجاه الأردن, حسب مخطط شارون الرهيب لتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية, وضم الضفة الغربية إلى إسرائيل. وفي رده على هذه المجزرة برأ مناحيم بيغين, رئيس الوزراء آنذاك, الدولة حكومة وشعباً وجيشاً من أية مسؤولية عن الحادث, بإدعاء أن "المسيحيون يذبحون المسلمين, فماذا يريدون من اليهود؟" وفقط بعد نهوض الرأي العام العربي والمحلي تشكلت لجنة تحقيق حملت مسؤولية المجزرة لشارون دون أن يمنعه هذا الإستنتاج من مواصلة أعماله في المجال السياسي, فهو يشغل وزيراً في الحكومة الراهنة. أما مجزرة قانا وهي آخر حلقة, حتى الآن, في سلسلة المجازر التي لا يتسع المجال في هذا السياق لذكر جميع حلقاتها, فكانت من صنع الحكومة السابقة برئاسة شمعون بيرس. وكان الإطار العام لهذه المذبحة عملية عناقيد الغضب التي إستهدفت تفريغ الجنوب اللبناني من سكانه ليتسنى للجيش الإسرائيلي تنفيذ عملياته ضد المقاومة اللبنانية, وفي رأسها تنظيم حزب الله. ومن خلال قصف بيوت المدنيين اللبنانيين تمكنت إسرائيل من تهجير 400 ألف مواطن لبناني شمالاً. وإنتهت العملية بوقوع أكثر من مئة قتيل معظمهم من النساء والأطفال كانوا قد إلتجؤوا إلى مخيم تابع للأمم المتحدة بالقرب من بلدة قانا. وأثبتت تقارير التحقيق التي قام بها مبعوث الأمم المتحدة أن قتل المدنيين في قانا لم يكن خطأ كما إدعت الحكومة, بل كان عملية متعمدة. ما يميز هذه المذابح أنها نتاج عمليات متراكمة ضد المدنيين الأبرياء, تبدأ بإستعمال قوة معتدلة, وعندما لا تتحقق النتائج المتوقعة, يتم تصعيد الأمور حتى يخلق المناخ الذي يبيح الأعمال الوحشية التي تتحول في لحظة معينة إلى مذبحة حقيقية. فقبية مثلاً لم تأت من فراغ, فقد سبقتها عمليات إنتقامية منذ قيام الدولة وحتى عام 1956 راح ضحيتها 500 إنسان تقريباً. وكذا في كفر قاسم كانت نتيجة لنفس الجو الذي ساد تلك الأيام كما شهد بذلك المتهمون في محكمتهم. وقد إقترفت مجزرة صبرا وشتيلا المروعة بعد سلسلة من العمليات العسكرية, والعمليات الإنتقامية, والقصف المتواصل لقوات الطيران الإسرائيلي على مدى أكثر من عشر سنوات على المخيم الفلسطينية, حتى بلوغ الذروة وهي المذبحة بحد ذاتها. وسبقت مجزرة قانا عملية تصفية الحسابات التي نفذتها حكومة رابين عام 1993, والتي هجرت من خلال القصف المتعمد كل سكان الجنوب اللبناني بإتجاه الشمال. فالنهج الإسرائيلي يحفز على إستعمال القوة ضد المدنيين إلى أقصى حد, وتكون نتيجتها المباشرة إرتكاب مجازر توصف من بعد كخطأ أو سهو وقع على مستوى الوحدات القتالية الدنيا, وبالطبع ليس كتنفيذ لسياسة مخططة من أعلى المستويات العسكرية والوزارية. والميزة الثانية لهذه المذابح هي فشل الحكومة في تحقيق أهدافها. فبسبب الضغط الدولي على إسرائيل في أعقاب مجزرة قبية, غيرت إسرائيل سياستها تجاه العمليات الإنتقامية عبر الحدود الأردنية, وإمتنعت عن الدخول إلى القرى وقتل المدنيين, بنيما ركزت على أهداف عسكرية. اما مذبحة صبرا وشتيلا فقد أثارت الرأي العام الإسرائيلي بإتجاه إستحالة تصفية القضية الفلسطينية, وضرورة الإعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبعد مجزرة قانا إتضح أن العالم لا يمكنه القبول بإستخدام المدنيين وبطريقة وحشية في الحرب ضد المقاومة اللبنانية, وأصبح من الواضح أن تبرير الحكومة الإسرائيلية للمجزرة على أنها خطوة دفاعية لسلامة الجليل أضحت ممنوعة ومرفوضة, ولم تجلب أية نتيجة غير المأساة لضحيتها.
|