|
الصفحة 10 من 12 مواطنون أم أعداء؟ المجزرة, كما تبين, لم تقع فقط نتيجة غموض الأوامر, أو بسب الإلتزامات الإسرائيلية تجاه بريطانيا, أو المخطط الرهيب "خلد" الذي تقرر إلغاؤه في اللحظة الأخيرة, بل بسب أمر أساسي أكثر بكثير, وهو الغموض في السياسة الإسرائيلية تجاه الجماهير العربية بشكل عام. في محكمة العقيد شدمي شهد ملينكي الذي حاول إلقاء اللوم على قائده, بأنه لو أوضح شدمي أن سياسة المستويات العليا هي عدم الإعتداء على العرب ووجوب التعامل معهم كمواطني الدولة, وبأنه ممنوع إسقاط شعرة من رؤوسهم إلى الأرض, لكان ألغى أوامره رأساً, ولكن ليس هذا ما كان. ومن ناحيته نفى شدمي أقوال ملينكي, وقال: "بعد تسلمي الأمر أبلغت الضباط فوراً أن المخطط السابق قد ألغي, وأوضحت أن الهجوم سيتم تجاه الجنوب, وأن سياسة المنطقة الخاضعة لتصرفنا هي الحفاظ على الهدوء, ومن المفروض التعامل مع قرى الأقليات كمواطني الدولة". ولا يعنينا في هذا المقام من منهما الصادق في إدعاءاته, إذ من الأقوال الإثنين يمكننا أن نفهم الكثير عن وضع الجماهير العربية في هذه الأيام, أيام الحكم العسكري. ففي اللحظة التي يتوجب فيها على قائد معين التوضيح أن التعامل مع العرب يجب أن يكون على أساس كونهم مواطنين, فيفترض إذن وجود إمكانية أخرى للتعامل معهم, بمعنى التعامل العدائي. كان هذا الغموض بالتعامل حتمياً من مجرد إستتباب نظام الحكم العسكري, ولكن الكيل بالمكيالين بكل ما يتعلق بالمواطنين العرب لا يزال ساري المفعول حتى أيامنا هذه. حالة الجماهير العربية بعد حرب 48 وحتى إلغاء الحكم العسكري كانت حالة مزدوجة. فبحكم بسيط النفوذ الإسرائيلي على الجليل والمثلث والنقب أصبح السكان العرب في تلك المناطق بشكل تلقائي مواطني الدولة, ويمارسون حقهم السيادي الأول, أي حق الإقتراع وإنتخاب ممثليهم في الكنيست. ولكن من ناحية أخرى, كانوا خاضعين للحكم العسكري, ويلائم هذا النظام تجمعاً سكنياً تحت الإحتلال. فمثلاً سكان الضفة الغربية خضعوا للحكم العسكري, ولكنهم حملوا الجنسية الأردنية, بينما الجماهير العربية في إسرائيل حملت الجنسية الإسرائيلية وإعتبر كل إتصال لها مع أشقائها العرب جريمة لأن الدول العربية في حالة حرب مع إسرائيل. مصطلح الطابور الخامس إستخدم في كل مناسبة نوقش فيها وضع الجماهير العربية في إسرائيل. وقد إستخدم المتهمون في إقتراف مجزرة كفر قاسم نفس المصطلح لتبريد أعمالهم الإجرامية مكررين مرة تلو الأخرى أن سياسة الدولة تجاه مواطنيها العرب تعتمد على أساس أنهم إمتداد للعدو داخل الدولة, ووجودهم يعتبر خطراً على أمنها. وكان واضحاً من البداية أن المعاملة كانت أحادية الجانب, فالمواطنون العرب خضعوا تماماً للدولة, ولم يقوموا بأي عمل عدائي كما تثبت كل الإحصائيات حول إعتقالات العرب داخل إسرائيل أو مشاركتهم في المقاومة ضدها. وبالرغم من قرب كفر قاسم من الحدود التي شهدت إشتباكات يومية بين القوات الإسرائيلية والفدائيين الفلسطينيين فأهل كفر قاسم إبتعدوا عن أي عمل يبرر التعامل الصارم الذي عانوا منه. ومن هنا يمكن الإستنتاج ان إزدواجية الوضع القانوني للجماهير العربية في إسرائيل ساهمت مساهمة فعالة في ما حدث في كفر قاسم. ومن هنا يتضح أن وجود الحكم العسكري كان دليلاً على عدم تسليم الدولة والمؤسسة الحاكمة, وعلى رأسها بن غوريون, بوجود عربي مكثف في مناطق معينة في البلاد. وما حدث في حرب 1948, أي التهجير الجماهيري بإتجاه الدول العربية, شجع القيادة الصهيونية للتفكير بإمكانية خلق وضع مشابه لإرغام العرب على الرحيل, خاصة لأن الحدود التي خلقتها إتفاقيات الهدنة إعتبرت موقتة, والإستعدادات على قدم وساق. ومن هنا كان ضرورياً, بل وحيوياً, إدامة الحكم العسكري, والتعامل مع السكان العرب كأعداء. مخطط "خلد" كبقية مخططات الترحيل, بقي سراً محكماً لأن في إثبات الطبيعة العنصرية للدولة التي إدعت مراراً أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة, وكانت بحاجة لدعم من العالم الخارجي. ومن ناحية أخرى إلتزمت إسرائيل من خلال وثيقة الإستقلال التي تعتبر دستورها, بإحترام حقوق العرب والتعامل معهم على قدم المساواة. ولكن من خلال المعاملة اليومية مع المواطنين العرب كانت الرسالة واضحة وهي: أنتم غير مرغوب بكم في هذه الدولة, وتعتبرون غرباء فيها. لا شك أن مجزرة كفر قاسم فضحت السياسة الإسرائيلية تجاه مواطنيها العرب رغم كل الجهود التي بذلتها الدولة لتغطية الأمور. فبسبب ردود الفعل القوية التي أعقبت المذبحة على المستوى الدولي والمحلي على حد سواء, وتحديداً في صفوف الجماهير العربي في إسرائيل, أصبحت مخططات الطرد مستحيلة. مذبحة كفر قاسم أثبتت فشل سياسة الحكم العسكري, وأدت مع بقية المذابح الأخرى التي إركتب قبلها وبعدها, ومع ردود الفعل العارمة, لإجبار الحكومة على تغيير سياستها. ويجوز القول أن هذه المجزرة كانت مثابة بداية النهاية للحكم العسكري الذي بدأ يضعف تدريجياً حتى ألغي تماماً عام 1966 أي بعد إنقضاء عشر سنوات على المجزرة. كانت مجزرة كفر قاسم مثابة ضريبة الدم التي كان على العرب دفعها لتثبيت وجودهم في وطنهم كمواطنين متساوين. فكفر قاسم إضطرت للوقوف في الجبهة الأمامية في النضال من أجل البقاء. وكان صمود أهلها, والدرس الذي تعلموه من إخوانهم في 1948, والذي أفشل المؤامرة, إعلاناً حازماً لدولة إسرائيل أن مواطنيها العرب يعتزمون البقاء, ولا بد لها من مواجهة هذه الحقيقة, وتغيير سياستها القديمة التي لن تجلب أية نتيجة سوى المزيد من سفك دماء الأبرياء.
|