|
الحاج إسماعيل عبد الرحمن حمدان عودة من جلجولية دفن الشهداء |
|
|
|
25/10/2006 |
|

لأول مرة وبعد مرور خمسين عاماً على المجزرة الرهيبة,الحاج إسماعيل عبد الرحمن حمدان عودة ( أبو العبد) من جلجولية يتحدث عن عملية دفن الشهداء في كفر قاسم•لن أنسى ما حدث، وأتذكر عملية الدفن لحظة بلحظة. •لقد قلبتم عليّ المواجع. •طلبوا منا مساعدة الجيش في حفر إستحكامات ، فتحول إلى حفر 11 قبراً ، إزداد إلى 35 ثم إلى 49 قبرا . •عملنا من الصباح حتى المساء بدون ماء ولا طعام سوى قطعتي بسكويت لكل واحد منا. •لم يحضر عملية الحفر أحد من اهالي الشهداء، ولم يُصل عليهم احد . •لا أشارك في المسيرة كل سنة لصعوبة الموقف.لأول مرة وبعد مرور نصف قرن ( خمسون عاماً) على إرتكاب المجزرة الرهيبة في كفر قاسم يوافق الحاج إسماعيل عبد الرحمن عودة ( ابو العبد) – 74 عاماً- من سكان جلجولية المجاورة أب ل 3 أبناء و6 بنات ، على إجراء مقابلة خاصة للشروق للتحدث عن عملية دفن شهداء المجزرة.إلتقت الشروق الحاج إسماعيل في منزله بجلجولية من خلال مقابلة مؤثرة واول تصريح له منذ نصف قرن . كان الحديث مؤثراً والموقف صعبا ، الشروق تقدر إستجابته للقاء.بدأ الحاج إسماعيل ( أبو العبد) حديثة قائلاً : لن أنسى ما حدث، أتذكر موضوع الدفن لحظة بلحظة وأتأثر جداً. أنه شريط يمر من أمامي ولا يفارق ذهني. كنت في ال 24 من عمري أعزب ( تزوجت في 10/8/1957) ، كنا نعمل في السهل فسمعنا إطلاق نار في المساء، لم نعر هذا الأمر إهتماما بالغاً ، ولم نكن نعلم بإن مجزرة كانت ترتكب بحق اناس أبرياء من كفر قاسم. كنا نعرف بأمر منع التجول الذي فُرض على القرية.في غداة اليوم التالي – يوم الثلاثاء الموافق 30/10/1956 حضر إلينا مختار جلجولية الحاج سيف الدين جيوسي ، وأبلغنا بإن الحاكم العسكري يطلب منا أن نساعد الجيش في حفر إستحكامات. جمعونا في سيارة شحن ذات سلالم، يسوقها محمد بحيري ( ابو فؤاد) ، ورافقنا جيبين عسكريين ، جيب أمام السيارة وجيب أخر خلفها. كنا 22 شخصاً . وصلنا الطبقة ( الفلماية) ( مكان إرتكاب المجزرة الرهيبة) ، ورأينا عربات قد تعطلت إطاراتها ، بلوك و.... دماء غزيرة .كان معنا الحاج محمود الحج علي ( أبو إسماعيل) . وحين وصولنا أخبرنا الضابط بإن هناك حاجة لحفر 11 قبراً. ظننا أن المهمة سهلة فكل شخصين منا سيقومان بحفر قبر واحد. كانت الساعة من صباح الثلاثاء 30/10 حين بدأنا بحفر القبور. وفي الساعة الحادية عشراً قبل الظهر إزداد العدد فقد أخبرونا ثانية بإن هناك حاجة لحفر 35 قبراً بدلا من 11 قبرا. واصلنا الحفر بدون ماء ولا طعام والجيش بجانبنا، وفي الساعة الثالثة عصراً حضر ضابط اشقر ، تحدث إليه الحاج أبو إسماعيل ليعود بإبتسامة صفراء قالاً بأن العدد قد إزداد إلى 49 شخصاً. طلبنا الماء والطعام ولكننا تسلمنا في النهاية بواسطة الحاج أبو إسماعيل بعض قطع البسكويت وكان نصيب كل واحد منا قطعتين. كنا نحفر في البداية قبورا عادية وعميقة، وبعد الظهر حين إزداد العدد واشتد الجوع والعطش والإرهاق والتعب لم نستطع حفر قبور عادية فحفرنا قبوراً غير عميقة. حضر الضابط مع سيارة الشحن التي كانت تحمل جثث الشهداء. قلت لأحد أقاربنا أحمد محمد تيم عودة بأنني سأقوم بعملية الدفن وانتم ستناولون الجثث من سيارة الشحن وهكذا كان. كانت كل جثة مغطاة ببطانية وعلى طرفها كتب إسم الشهيد . أحضر الضابط عدداً من وجهاء القرية منهم : ذياب العبد الحمد ( أبو موسى) والحاج ذيب بشير ولا أتذكر باقي الوجهاء. ولقد اُغمي على الحاج ذياب العبد الحمد لما شاهده من منظر رهيب. أكد الحاج إسماعيا وأضاف : أذكر اننا لاقينا صعوبة بالغة في دفن الشهيد أبو سماحة ( محمد عبد سماحة عاصي) فقد كان طويل القامة حيث وصل طوله إلى حوالي مترين.لقد بدأنا بالعمل من الساعة السابعة صباحاً ، واستمر العمل حتى السابعة مساءاً بدون مأكل او مشرب عدا البسكويتات. وبعد ان تمت عملية الدفن ( في مقبرة الشهداء اليوم) قمنا بإخبار الضابط بأننا نرفض العودة إلى بيوتنا فقد كنا خائفين مذعورين مما رأيناه وشاهدناه بأم أعيننا، ووافق الضابط ويدعى " أسكندراوس" بمرافقتنا وجنوده لإيصالنا لقريتنا. وفي طريق عودتنا صادفنا عوني طه إبن محمد سعيد وركب معنا إلى جلجولية حيث بات ليلة هناك. رافقنا الضابط وجنوده حتى وصولنا لجلجولية، حيث تم إيصال كل شخص من بالقرب من منزله. لقد عدنا في نفس السيارة التي أقلتنا إلى مقبرة الشهداء ( اليوم) حيث تم الدفن وهذا ما حدث. تنّهد ابو العبد قائلاً: لقد تركت المجزرة أثراً عميقاً في نفسي، أؤكد لك انه لم يحضر عملية الدفن أحد من اهالي الشهداء سوى بعض من وجهاء القرية ونحن.الحديث صعب جداً، والوصف أصعب تقشعر له البدان . لقد كان المنظر صعباً ورهيباً ، فما بالك بإوامر إجبارية لكي نحفر قبوراً ، لا تعرف لمن ؟ لن أنسى ما رأيته : الكل مبعثر ، فردة حذاء هناك وأخرى هناك ، ملابس مبعثرة ، وكم كانت صدمتي حين فتحوا الشاحنةالتي حملت الجثث لدفنها، يا له من نظر فظيع . كان الطقس حاراً ، لم يُصّل أحد على الشهداء حتى بعد دفنهم . لن أنسى ما رأيته ، كما انني أقّص ما رأيته على الجميع من افراد عائلتي وأصدقائي.من بين ال 22 شخص الذين قاموا بعملية الدفن ، وكلهم من جلجولية اذكر : عثمان القدومي، عبد الرحمن الجابر، إبراهيم لرعدية، محمد بحيري، أحمد تيم، اما السائق فقد كان محمد بحيري ( ابو فؤاد).لقد فُرضت علينا عملية الدفن فرضاً وكانت المهمة صعبة للغاية يؤكد أبو العبد ويتحدث بإنفعال شديد . اشعر أنه لا عدالة في العالم فالمجازر مستمرة ولا أحد يحرك ساكناً . لقد أهملتنا الدول العربية ورؤسائها وملوكها حتى اليوم.ويواصل الحاج أبو العبد حديثه قائلاً: أنني أتشائم من يون الإثنين ففيه ارتكبت مجزرة كفر قاسم، وفي يوم الإثنين نشبت حرب ألأيام الستة، وكذلك الحرب على لبنان عام 1982. لقد كانت الصلحة بأرخص الثمن والمحكمة مهزلة. لم احضر الصلحة ولم أشارك في المسيرة التقليدية منذ الذكرى الأولى لأنني لا استطيع ذلك ، فالموقف صعب للغاية ولا استطيع التحمل والتواجد في مكان دفنا فيه الشهداء الذين سقطوا ظلماً، وعدواناً وغدراً دون ذنب إقترفوه.لاحظت التأثر باد على محياه وهو يردد الكلمات الأخيرة قائلاً: رحم الله الشهداء جميعاً. يا الله أمين يا رب العالمين. تركنا الحاج أبو العبد متأثراً ، صامتاً ليعود بالذاكرة إلى الوراء ، إلى 50 عاماً، يتذكر الحدث وكأنه حدث الآن. تركناه والألم يعتصر قلوبنا والحزن يخيم على المكان . المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.



(مجلة الشروق)
تعليقات () |
|
|
|
|
|