|
الاستمرار في زواج فاشل أو الطلاق.. أحلاهما مر ! |
|
|
|
09/11/2007 |
ليست مشكلة فردية تخص الزوجين بل مشكلة اجتماعية وانهيار العلاقة ينذر بأخطار جسيمة وأضرار اجتماعية جديةالزواج.. هذه العلاقة المُعقّدة بين شخصين، هي أكثر العلاقات صعوبةً، فالزواج ليس مثل علاقة الأبوة أو الأخوة أو الصداقة. الزواج علاقة مُعقّدة لأنها علاقة بين شخصين غريبين، وفي أحيانٍ كثيرة يكون لا يعرف أحدهما الآخر قبل الزواج، وفي بعض المجتمعات لا يرى الزوج عروسه إلا ليلة العرُس (ليلة الدخلة)، حيث ترفض بعض العائلات للخطيب بأن يرى ابنتهم التي يتقدّم الخاطب للزواج بها. هذا الأمر مُخالفٌ للشرع وكذلك قد يجلب مشاكل كثيرة بعد الزواج، خاصةً إذا لم يتقّبل أحدهما الآخر من حيث الشكل وبالذات الرجل، الذي يشعُر أحياناً بأنه خُدع في الزواج بامرأةٍ لم يكن يعتقد بأنها كما وصفوها له..!.  الزواج مؤسسة وشراكة بين شخصين تقوم على المودة والحب والتفاهم وتقبُل كل زوج للطرف الآخر. إذا لم تكن هذه الجوانب موجودة فإن الزواج مُهدّد بالانهيار أو بأن يكون زواجاً غير سعيد. لقد ذكر الكاتب والناقد الفلسطيني الكبير الدكتور إحسان عباس في كتابه الذي كتبه عن سيرته الذاتية بعنوان "غربة الراعي"، أن والده أصّر عليه بأن يتزوّج إحدى قريباته، ولم يكن هو يرغب بها، ولكن الوالد أصر على الابن بأنه لن يتزوج غير قريبته هذه..!. لم يجد الدكتور إحسان عباس مفراً سوى الخضوع لرغبة والده كارهاً الزوجة والزواج، ويحاول كل مرةٍ أن يؤجل الزواج لعل الله يكتب له انفكاكاً من هذا الزواج الذي لا يرغب فيه، ولا يجد في المرأة التي اختارها له ووالده وأجبره على الزواج منها، ولكن لم يكن الوقت في صالحه، ووالده مصرٌ على زواجه من هذه القريبة، وكان ذلك في الأربعينيات من القرن الماضي وفي قرية فلسطينية صغيرة تم العُرس وتزوّج الدكتور إحسان عباس بزوجةٍ غير مُقتنع بها..! وصارت بهما الحياة الزوجية بكآبةٍ لم يستطع الزوج تحمُلها، ولكنه أنجب طفلين من هذه الزوجة. ومرةً وصل به الأمر بأنه لم يعد يستطع تحمّل السير وإكمال الزواج، فطلب من زوجته أن ينفصلا وأن تذهب إلى أهلها في فلسطين، وقد كان وقتذاك يُدّرس في جامعة الخرطوم. فجمعت الزوجة أغراضها وتقبّلت الأمر لأنها كانت تشعر بأنه ليس سعيداً في هذا الزواج وأنه مغصوب ومغلوبٌ على أمره من قِبل والده حين تزوجها. وحين كانت الزوجة تقوم بجمع أمتعتها استعداداً للرحيل ورأى الدكتور عباس الأمتعة مكومةً في ركنٍ من أركان المنزل وطفلاه يلعبان بهذه الأمتعة، أخذته العبرة، وحدث حدث غيّر تفكيره تماماً، إذا أعُلن قيام دولة إسرائيل وتم تهجير الفلسطينيين من قراهم وبلداتهم إلى مناطق أخرى حيث أصبحوا لاجئين بلا مأوى ومتُشردين في ارض الله الواسعة، خاصةً وأن قريتهم كانت ضمن القرى التي احتلها العدو الإسرائيلي. عندما رأى تلك المناظر للأطفال والنساء والشيوخ يهيمون على وجوههم في بلداتٍ وقرى لم يعرفوها من قبل. عندما رأى هذه المناظر، قال لنفسه : هل اللاجئون بحاجةٍ إلى إضافة ثلاثة لاجئين آخرين؟ يقصد بذلك زوجته وطفليه. عندئذ طلب من زوجته أن تبقى وأن يبقى الأطفال ويعيشون معاً، وقال كلمةً : إذا عليّ أن أنضم إلى أكبر حزبٍ في الوطن العربي، وهو حزب الأزواج غير السعداء..!!. هل كلام الدكتور عباس وهو مُثقفٌ كبير صحيحاً أم أنه غير ذلك؟. إذا كان الدكتور إحسان عباس قال ذلك الكلام في الأربعينيات من القرن الماضي، فهل تغيّر شيء ؟ أم مازال حزب الأزواج غير السعداء هو أكبر حزب في الوطن العربي؟. إننا الآن نعيش مرحلةً مُختلفةً تماماً عن المرحلة الزمنية التي كان يعيش فيها الدكتور عباس، فالآن أصبحنا نعيش مرحلة الطلاق السريع والمُستشري.. نعم إننا نعيش مرحلةً أصبح الزواج فيها ليس رابطاً قوياً بين الأزواج، وفي سرعةٍ وسهولةٍ تامة ينفصل الزوجان وينتهي الأمر بالطلاق أحياناً بسرعة غريبة، فقد يعود الزوجان من شهر العسل ويذهب كلٌ منهما إلى منزل أهله، وبعد أيام يتم الطلاق ببساطة في أغلب الأحيان..! وهناك إحصائيات مُخيفة في الوطن العربي ونحن في المملكة جزء من هذا الوطن العربي الكبير، حيث ارتفعت نسبة الطلاق في بعض المدن إلى أكثر من 40% بين الأزواج حديثي الزواج. الطلاق ليس مشكلة فردية تخص الزوج والزوجة فقط، إنما هي مشكلةٌ اجتماعية، وانهيار مؤسسة الزواج يُنذر بأخطار جسيمة ومشاكل اجتماعية جدية. لقد كتبت احدى الصحفيات البريطانيات في جريدة إيفنج ستاندرد اللندنية (Evening Standard) وهي واحدة من الصحف البريطانية الواسعة الانتشار، مقالاً طويلاً حول انهيار مؤسسة الزواج في بريطانيا، حيث تقول بأن معدلات الطلاق في بريطانيا سنوياً أكثر من معدلات الزواج وإنه ربما تصل نسبة الطلاق في بريطانيا إلى أكثر من خمسين في المائة!. واسترسلت الكاتبة عن هل نحن فعلاً مُقدمون على مرحلة انهيار مؤسسة الزواج التقليدي، وأن يعيش الرجل والمرأة كصديقين بدلاً من الزواج القانوني والديني؟. إن هذا الأمر مقبولٌ في التقاليد والأعراف الغربية ؛ أن يعيش الرجل والمرأة دون أي عقد زواج سواء كان مدنيا أو في الكنيسة، ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث حتى في أكثر الدول الإسلامية علمانيةً وبُعداً عن الدين الإسلامي.. هذا السلوك خطٌ أحمر لا يستطيع أن يتجرأ احد على تجاوزه..!. إذا كنّا قد وصلنا إلى ما وصل إليه الزواج في المجتمعات الغربية من التقارب في نسبة الطلاق، وهناك يُمكن للرجل والمرأة أن يعيشا معاً دون أي رابطٍ رسمي، ويُنجبا أطفالا ويُعترف بهؤلاء الأطفال رسمياً في الحكومة، فإن الأمر هنا مختلفٌ جداً..! تُعاني معاناةً شديدة ربما يكون الأكثر تضرراً هي المرأة في هذا الزواج والطلاق السريع، فوصمة مُطلّقة لها وقعٌ مؤلم على المرأة وكذلك على أهلها.. فالمرأة المُطلقة في مجتمعاتنا الذكورية تُعاني معاناةً شديدة. فهي إما أن تكون تحت سيطرة وتحّكم الوالد أو الإخوان أو الأعمام والأخوال، وتفقد بذلك جزءا كبيرا من حريتها وتُصبح مثاراً للشكوك التي تحوم حولها في كل سلوك تقوم به. فالمُطلقة متُهمة حتى يثبت براءتها (طبعاً ليس في جميع المجتمعات) ولكن هذا ما يغلب على تعامل الأهل مع المرأة المُطلقة والتي ربما ليس لها علاقة بطلاقها.! وعندما تُصبح المرأة مُطلقة، يقل الطلب عليها لأنها Second Hand أي شيء مُستعمل!، و هذه صورة في منتهى الأنانية الذكورية، وظُلمٌ كبير يمارسه المجتمع الذكوري ضد المرأة المُطلقة التي قد تكون أفضل بكثير من عشرات أو مئات النساء المتزوجات التعيسات في زواجهن ولكنهن يخشين الانفصال عن أزواجهن خشية ما قد يلحق بهن من سوء معاملة من الأهل والمجتمع. حياة تعيسة في العيادة النفسية، يأتي كثير من النساء اللاتي يعشن حياةً تعيسة مع أزواجهن.. الضرب، الإهانة، التعذيب النفسي والعاطفي، الاستغلال المادي ومع ذلك تقبل المرأة البقاء ضمن الزواج خشية الطلاق والخوف من لقب مُطلقة. لقد حدثتني سيدة كانت تُعاني من الاكتئاب الحاد بسبب معاملة زوجها لها، فهي متزوجة من قريبٍ لها وعندها أربعة أطفال، وبعد الزواج اكتشفت بأن زوجها مدُمن كحول (وهذه مشكلة كبيرة في مجتمعنا)، وفقد وظيفته بعد فترة قصيرة من الزواج، وأصبح يأخذ مرُتبها كاملاً ويصرفه على شرابه وأصدقائه الذين يسهرون كل مساء ويشربون في منزلها وهي خائفة ترتقب، حيث تُغلق الباب على نفسها وأطفالها، ومع ذلك يطرق الباب بشدة عليها من خارج غرفة النوم..أحياناً زوجها ومراتٍ أخرى من أحد أصدقاء زوجها السكارى..!!. أخيراً قررت أن تذهب إلى منزل أهلها هي وأطفالها وتعيش عندهم وتطلب الطلاق. بعد ثلاثة أسابيع عادت مرةً أخرى إلى منزلها وزوجها. وعندما سألتها عن سبب رجوعها بعدما قررت أن تترك زوجها وتطلب الطلاق وتعيش مع أهلها، قالت لي : بأنها عاشت أياماً صعبة عند أهلها، فهي مُراقبة في كل تصرف تقوم به.. الهاتف مرُاقب، الخروج شبه ممنوع وبرفقة احدى شقيقاتها أو والدتها، التسّوق أيضاً ليس له داعٍ ويجب أن تذهب مع أفراد العائلة عندما يقررون هم الذهاب للتسوق..تُطاردها نظرات الشكوك في كل لحظة وأصبحت تحت ضغوطٍ نفسية كبيرة في منزل أهلها، لم تستطع تحملها وأخيراً عادت إلى زوجها وقالت الكلمة الشهيرة: نارك ولا جنة أهلي..! الزواج والطلاق إنني هنا لا أطرح حلاً لمشكلة مُعقدة مثل مشكلة الزواج والطلاق ولكن أطرح هذه المشكلة للجهات المهتمة بالمشاكل الاجتماعية، وأنا على علمٍ بأن هناك جهات تدرس المشكلة بشكلٍ جاد ولكن نُريد أن نرى نتائج هذه الدراسات وما هي التوصيات التي توصّلت اليها هذه الجهات المسؤولة عن إجراء دراسات وأبحاث عن مشكلة الطلاق والزواج، فكما قلت بأن الزواج والطلاق ليسا مشكلة فردية تخص الزوج والزوجة، و لكن لهما أضرار ويترتب عليهما سلوكيات سلبية كثيرة وخطيرة.. إنها مشكلة اجتماعية جادة وبحاجة للاهتمام بها والحديث عنها بجدية وصراحة دون مُجاملات أو عدم رغبة صدم المجتمع بأمور سلبية قد يستاء منها البعض. إننا إذا لم ننُاقش قضايانا بصراحة وجدية ونطرحها بجرأة دون مُحاباةٍ لأي طرف فلا داعي لإجراء مثل هذه الدراسات المُكلّفة..!
تعليقات () |
|
|
|
|
|