الكاتب يوسف الجرجاوي شقيب السلامعندما خلق الله عز وجل العقل وهو اول ما خلق وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال " اول ما خلق الله سبحانه وتعالى العقل فقال له اقبل فأقبل ثم قال له ادبر فأدبر فقال عز من قال : "وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا اعز على منك بك اخذ وبك اعطي وبك اعاقب" وقال اهل العلم والمعرفه : العقل جوهر مضيئ خلقه الله عز وجل في الدماغ , وجعل نوره في القلب يدرك به المعلومات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهده . وقد يخص الله سبحانه وتعالى بألطفه الخفيه من يشاء من عباده , فيفيض عليه من خزائن مواهبه رزانه العقل وزياده المعرفه تخرجه عن حد الأكتأب ويصير بها راجحا عن ذوي التجارب والاداب , ويدل ذلك قصه يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما اخبر الله تعالى في محكم كتابه العزيز حيث يقول "واتيناه الحكم صبيا " فالذكاء هدايه من الله سبحانه وتعالى لو كان صغير السن قليل التجربه .وعلى ذلك قصه رجلان دخلا على داود عليه السلام احدهما صاحب غنم , ولاخر صاحب خرث (مزرعه) فقال احدهما : ان هذا خلت غنمه بالليل الى حرثي فاهلكته واكلته ولم تبق فيه شيئا , فقال داود عليه السلام : الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه , فلما خرجا من عنده مره عليه سليمان عليه السلام ابن داود وكان عمره انذاك احدى عشره سنه , فقال لهما : ما حكم بينكما الملك ؟ فذكروا له الحكم , فقال : غير هاذا ارفق بالفيرقين , فعادا الي داود عليه السلام وقالا ما قاله ولده سليمان عليه السلام فدعاه داود عليه السلام وقال له ما هو الارفق بالفيرقين ؟ فقال سليمان عليه السلام : تسلم الغنم الى صاحب الحرث (وكان الحرث كرما تدلت عناقيده في قول اكثر المفسرين) فيأخذ صاحب الكرم الاغنام ياكل لبنها وينقفع بدرها ونسلها . ويسلم الكرم لصاحب الاغنام ليقوم به , فاذا عاد الكرم الي هيئته وصورته التي كان عليها ليله دخول الغنم اليه سلم صاحب الكرم الغنم الي صاحبها وتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته : فقال له داود : القضاء كما قلت , وحكم به كما قال سليمان وفي هذه القصه نزل قول الله عز وجل { } وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين {78} ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما {79} [الانبياء , 78 , 79 ] .وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "الجنه مائه درجه تسعه وتسعون منها لأهل العلم والعقل وواحده لسائر الناس" قيل لكل شي غايه وحد , والعقل لا غايه له ولا حد , ولكن الناس يتفاوتون فيه تفاوت الازهار في المروج .وقالوا: المشايخ اشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم فيها وعليكم بالراء الشيوخ فانهم ان عدموا ذكاء الطبع فقد افادتهم الايام حليه وتجربه .وقال عامر بن قيس " ان عقلك عما لا يعينك فانت عاقل ويقال:"لا شرف الا شرف العقل ولا غنى الا غنى النفس , وقيل ايضا :يعيش العاقل يعقله حيث كان كما يعيش الاسد بقوته حيث كان . وقبل غضب العاقل على فعله وغضب الجاهل على قوله وقال ابو الدرداء رضي الله عنه تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عوينر ازدد عقلا تزدد من الله قربا " قلت : بابي وامي ومن لي بالعقل ؟ قال " اجتنب محارم الله تعالى وأد فرائض الله تعالى تكن عاقلا , ثم تنتقل ال صالح الاعمال تزدد عقلا في الدنيا , وتزدد من الله قربا وعترا " وقال بعض اهل المعرفه : حياة النفس بالروح , وحياة الروح بالذكر وحياة القلب بالعقل, وحياة العقل بالعلم .والعاقل من عقله في ارشاد , والرأيه في امداد , فقوله سديد , وفعله حميد , والجاهل من جهله في اغراء , فقوله سسقيم , وفعله ذميم ولا يكفي في الدلاله على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحته سمعته وتسريح لحيته وكثرت صلفته ونظافة بزته وقال الأصمعي: رايت بالبصره شيخا له منظر حسن وعليه ثياب فاخره وحوله حاشيه , وعنده دخل وخرج , فاردت ان اختبر عقله فسلمت عليه وقلت : ما كنيته سيدنا ؟ فقال : ابو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين , وقال الاصمعي : فضحكت منه وعلمت قله عقه وكثره جهله , ولم يدفع ذلك عنه غزارة خرجه ودخله , وقد يكون الرجل موسوما بالعقل مرموقا بعين الفضل فيصدر منه حالة تكشف عنه حقيقه حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله . والحمق مذموم . قال الرسول صلى الله عليه وسلم " الاحمق ابغض الخلق الى الله تعالى اذا حرمه اعز الاشياء عليه وهو العقل " ومن قل عقله فهو احمق , واما صفته من حيث الافعال وتدرك نظره في العواقب وثقه بمن لا يعرفه والعجب وكثرة الكلام وسرعه الجواب , وكثرة الالتفات والخلو من العلم , والعجله والخفه والسفه والظلم والغفله والسهو والخلاء , ان استغنى بطر وان افتقر قنط , وان قال افحش , وان سءل بخل وان سأل الح , وان قال لم يحسن , وان قيل له لم يفقه وان ضحك قهقه , وان بكى صرخ , وان اعتبرانا الخلال وجدناها في كثير من الناس فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق قال عيسى عليه السلام " عالجت الابرص والاكمه فأبرأتهما , وعالجت الاحمق فأعياني " والسكوت عن الأحمق جوابه , ونظر بعض الحكماء الى احمق على حجر فقال : حجر على حجر .ويحكى ان احمقين اصطحبا في الطريق , فقال احدهما للاخر : تعال نتمنى على الله فان الطريق تقطع بالحديث : فقال احدهما : انا اتمنى قطائع غنم انتفع بلبنها ولحمها وصوفها , وقال الاخر انا اتمنى قطائع ذئاب ارسلها على غنمك حتى لا تدرك منها شيئا , قال : ويحك أهذا من حق الصحبه حرمه العشره , فتصايحا وتخاصما , واشتدت الخصومه بينهم حتى تماسكا بالاطواق ثم تراضيا على ان اول من يطلع عليهما يكون حكما بينهما فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من العسل , فحدثاه بحديثهما , فنزل بالزبقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب ثم قال : صب دمي الله مثل هاذا العسل ان لم تكونا احمقين . ويقال : فلان ذو حمق واخر عاقل نافر ليس معه من العقل الا ما يوجب حجه الله عليه .ويقال للابله السليم العقل هو من بقر الجنه لا ينطح ولا يرمح والاحمق المؤذي هو من يقر وسقر والله سبحانه وتعالى اعلم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
تعليقات () |
|
|
|
|
|