
يسطر واقع الحياة الفلسطينية يوماً بعد يوم الروايات المريرة الناتجة عن نكبة مستمرة لم تلحق فقط بالشعب الفلسطيني بل أصابت قلب الأمة العربية والإسلامية. فسرعان ما تعيدنا النكبة الى صور قوافل مئات الآلاف من المهجرين الفلسطينيين، ومئات القرى المهدّمة والمدن المدمرة التي أحكم اليهود السيطرة عليها تزامناً مع الإعلان عن دولتهم التي أطلقوا عليها إسم النبي الكريم إسرائيل (يعقوب) عليه الصلاة والسلام عام 1948م.
لقد خلّفت هذه الأحداث نتائج غيرت وجه العالم بأسره، عكست إمتداد نكبة عظيمة حلت بالأمة الإسلامية برمتها، مع بدء تنفيذ المشروع اليهودي-الصهيوني مدعوماً من دول غربية إتخذت المنظمات الدولية والأنظمة الحاكمة مطية لتنفيذ أهدافها. وعلى مر السنين بقيت النكبة حقيقة تواجهنا في كل لحظة وفي كل مكان، شئنا أم أبينا، فمازال ملايين اللاجئين ينتظرون لحظة العودة الى أراضيهم وبيوتهم، في المقابل تتضاعف الجهود اليهودية الصهيونية الجائرة يومياً لتشوية الحقائق وتزييف التاريخ، ومحو المعالم الجغرافية العربية والإسلامية المتجذرة في هذه الأرض المباركة منذ مئات والاف السنين، إضافة الى سياسات التهجير والإعتقال والقتل ومصادرة الأملاك وبسط المغتصبات اليهودية وبناء الجدران والطرق التي تقطع أوصال الأرض وتنهب مواردها.
كل هذا يُبرز أوجه إستمرار النكبة التي لا تزول إلا بزوال الظلم وإقامة العدل والحق على هذه الأرض. أما المهم حالياً أن لا نصل الى حد التعايش مع هذا الواقع أو على العكس الى حد إنكاره، ولكي نتكمن من التعامل معه بعقلانية ولا نكتفي بالبكاء عليه لا بد من فهم الحقائق الفكرية العقدية التي سطرت الإستراتيجية الصهيونية ووقفت وراء هذه الأحداث وما زالت تحرك المواقف والسياسات وتنتقي الأدوات المناسبة لتحقيق غاياتها الى يومنا هذا.
قد يتساءل البعض، ما السبيل لفهم دوافع ونتائج النكبة وإستمراريتها؟ وكيف ذلك ونحن نرى قيادات يهودية تلوح برايات التعايش والسلام في المحافل الدولية مدعومة من دول غربية؟ للإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من فهم الخصائص العقدية والنفسية والسياسية للمجتمع اليهودي، كما وردت في المصادر اليهودية الحديثة منها والقديمة.
إن مراقبة المجتمع اليهودي وتاريخه وسياساته تظهر إستمرارية فكرية عقدية ثابتة مسؤولة عن توجيه مواقفه وسياساته، وترجع هذه الإستمرارية الى عمل المؤسسات السياسية ومؤسسات التنشئة الإجتماعية التي تحافظ على البنية النفسية والعقدية والسياسية للمجتمع اليهودي وعلى هويته بما يخدم مصالحه وغاياته، ويدخل في هذا الباب تعامل المجتمع اليهودي مع ما حوله وإضفاء الشرعية على أفعاله العدوانية للصمود في أجواء من الصراع المستمر والأليم، كما أثبت ذلك البروفسور دانيئيل بار طال في كتابه «العيش مع الصراع».
إن العلاقة الوثيقة بين الجانب الفكري العقدي والجانب السياسي في المشروع الصهيوني بدت واضحة منذ بدايات تنفيذه، حيث طالبت الحركة الصهيونية بتحقيق آمال وأمن اليهود اللذين لا يتحققا إلا بإقامة وطن لليهود يربط بين العقيدة اليهودية والواقع اليهودي. وقد تبنت قيادات غربية عديدة هذا الفكر الذي دعى الى «العودة اليهودية لأرض الأجداد» تحقيقاً «للوعد الالهي»، وتمت ترجمته فعلياً بالسيطرة على الأرض ونفي الحق الفلسطيني في الأرض والوجود، وبدا ذلك واضحاً في وعد بلفور عام 1917مـ الذي جاء فيه أن بريطانيا «ستبذل كل مساعيها لتسهيل الوصول الى هذا الهدف»، أي «انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تحقيقاً للأماني الصهيونية».
شكلت هذه الأفكار والسياسات الأرضية الصلبة لأحداث النكبة التي لم تحاك فقط للشعب الفلسطيني بل حيكت للأمة العربية والإسلامية بأسرها، لا سيما مع نجاح سياسات التجزئة والتفرقة التي إعتمدها المشروع الصهيوني-الغربي، بعد أن غزت أفكار القومية والطائفية العالم العربي والإسلامي، إذ تمكنت الحركة الصهيونية برعاية بريطانيا من تنفيذ خطة تهويد فلسطين وتشريد معظم شعبها، الى أن تم تسليم زمام الأمور الى اليهود حيث أعلنت بريطانيا إنسحابها من فلسطين في 14 أيار 1948 مع إعلان اليهود عن إقامة دولتهم، والتي بوركت بإعتراف أمريكي مباشر لم يستغرق 11 دقيقة!
إن القدرة العجيبة على إستباحة دماء وأملاك الفلسطينيين والإصرار على ذلك من أهم ما يميز النكبة، أما هذه الإستباحة فهي نابعة من أرضية فكرية حددت أسس تعامل اليهود مع الفلسطينيين، وهي مبنية على التمييز بين اليهود والأغيار أو ما يُعرف باليهودية «الغوييم»، وهو فصل بين اليهود كشعب «مختار» وبين الأغيار الخارجين عن دائرة الإختيار، ولهذا الإعتقاد جذوراً تاريخية وأسساً عقائدية قديمة، فقد إمتلأت الكتب اليهودية المقدسة بعبارات الإختيار والفوقية والنقاء، إضافة الى استحلال «الأغيار» البارز في قصص الإبادة الجماعية والثأر والعدوان والغدر والإستعلاء والعزلة.
جاء في التلمود، «تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الإبن جزء من والده»، و«أن نطفة غير اليهودي هي كنطفة باقي الحيوانات». لم تبقى هذه النصوص في الكتب بعيدة عن الواقع، بل أن المنظومات الفكرية والايديولوجية الصهيونية التي غرست أسس تصور اليهود لأهل فلسطين والتعامل معهم بُنيت عليها، كما جاء في قول مؤسس الصهيونية الدينية «الرابي كوك» (1865-1935)، «أن الفرق بين النفس الاسرائيلية وجوهريتها واشواقها الداخلية وطموحها وميزتها وموقعها وبين نفس جميع الغوييم على مختلف أصنافهم، لهو أكبر وأعمق من الفرق بين نفس الإنسان ونفس البهيمة».
لقد سطرت عقدة التفوق والتمّيز خطوط النكبة عندما ترجمتها الصهيونية في شعارها «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، الذي تم تطبيقه على أرض الواقع بالتخلص من السكان الأصليين وتغييبهم ، وعزل اليهود في وطن يهودي ومؤسسات وإقتصاد وتعليم يهودي.
يقول البروفيسور بار طال أن هذه المعتقدات انعكست على تصورات المهاجرين اليهود الذين "شيطنوا" صورة الفلسطينين ونعتوهم بالقذارة والهمجية والبدائية، في حين دعت الصهيونية الدينية الى إستحقارهم وطردهم.
ان هذه النظرة الشيئية للمجتمع الفلسطيني التي تجرده من الإنسانية والعقل والإحساس والكرامة والحقوق، ومع تقديس غاية إقامة الدولة اليهودية كفيلة بشرعنة سياسات الإبادة القتل والتهجير. وكما جاء في تعليق «حاييم وايزمان» على نتائج السياسات الصهيونية: إنّ خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة ’إسرائيل‘ ونجاحاً مزدوجاً: انتصار إقليمي، وحل ديموغرافي نهائي. وإنّ الأرض بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.
قد يقول البعض ما علاقة هذا وقد أصبح ماضياً فيما يحدث اليوم؟ نقول، أن هذا الماضي هو جذر الفكر العقدي اليهودي المعاصر، وذلك بتوثيق باحثين يهود معاصرين، يشيرون الى العلاقة بين صورة «الأغيار» في الكتب اليهودية القديمة وبين المعتقدات المعاصرة التي تتهم «الأغيار» بالشر والخيانة والعداوة، ولا يقتصر ذلك على اليهود المتدينين بل أن هذه المعتقدات راسخة أيضاً في عقول ونفوس العَلمانيين منهم.
إن هذه المعتقدات دفعت اليهود الى تبني دور الضحية الأبدية، والى تبني روايات تنفي عنهم أي مسؤولية عن هذه الجرائم، فالحركة الصهيونية مازالت تروج للراوية القائلة أن الفلسطينيين هاجروا من أرضهم طوعاً عقب إعلان الحرب من قبل الزعماء العرب عام 1948. أما الإدعاء الذي تعدى كل توقع فقد جاء على لسان الرئيسة «جولدا مائير»، «لن أسامح العرب أبداً لإجبارهم أبناءنا تعلم قتلهم».
نهاية نقول أن هذه البنية الفكرية العقدية وضعت المجتمع اليهودي في سجن يملؤه الخوف وإنعدام الأمن والطمأنينة، فأفراد هذا المجتمع وقادته يشعرون أن كل ما حولهم يهددهم، وهذا الشعور يعد أحد أهم ركائز الايديولوجية الصهيونية التي إدعت أن كره اليهود عبارة عن ظاهرة عالمية وأبدية، وقد تم ترسيخ هذا الشعور في المجتمع اليهودي المعاصر، مما زاد من دوافعه العدوانية إتجاه الفلسطينيين الذين يتم تصويرهم من حين الى آخر كمشكلة دائمة مستعصية، و«قنبلة موقوته» لا بد من التخلص منها!
الكتابات والمواضيع المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تعبر عن رأي كاتبها والمسؤولية القانونية يتحملها الكاتب . للتواصل مع موقع القرية نت . عنوان بريدinfo@alqaria.net / هاتف رقم:0507224941

صفحة البيت
اضفنا للمفضلة
اجعلنا صفحة البداية

