للاعلان والاتصال بنا
050-7224941
050-4224941
fax: 03-9073572
info@alqaria.net
لمزيد من التفاصيل



ابحث في موقع القرية
يوم الاحد الموافق
22.07.2018

(توقيت القدس)
24/06/2018 - 04:12:09 pm
ذكريــــــات لا مذكــــــــــرات.. (5)... !!! بقلم : الشيخ كامل ريان – كفر برا 

كان العرب الفلسطينيون سكان النقب على مفترق طريق.. تغيرت ظروف حياتهم إلى حد كبير.. لم تعد حياتهم كما كانت قديما من حيث القدرة على الانتقال من مكان إلى آخر دون عوائق من وإلى شبة جزيرة سيناء والنقب، فالحدود بين مصر وإسرائيل مغلقة تماما.. الكيبوتسات اليهودية التي انتشرت على طول الحدود وعلى المحاور الرئيسية للطرق، اعاقت هي أيضا حركتهم الحرة، كما ان التجارة التي عملوا بها لم تعد ملائمة للظروف التي فرضها الواقع الجيو- سياسي الجديد..

 

وصلنا - نحن المعلمين من المثلث والجليل - إليهم في الوقت المناسب، حيث كانت مساهمتنا حاسمة في تحديد بوصلتهم في الاتجاه الصحيح، وفي تحديد هويتهم التي كانوا في عملية بحث عميق ومُضني لاكتشافها.. وصلنا إليهم في وقت بلغت خيبة أملهم في السلطة المركزية الإسرائيلية، ذروتها.   

 

اختفاء الكثير من ملامح لغتهم العربية الاصيلة في بيئة غلبت عليها اللغة العبرية، حتى كادت تستبدل لغة الام، او على الأقل اختلطت بها، فَجَرَتْ على ألسنة الكثيرين من عرب النقب لغة جديدة هي مزيج من اللغة العربية والعبرية (عربرية) من نوع ما غريب وعجيب! لم يكن لهم في تلك الحقبة ثقافة من نوع محدد سوى بقية مما ورثوه عن الآباء الأجداد من أعراف وتقاليد. في الحقيقة لم تكن لديهم ثقافة عربية بالمعنى الناضج، كما لم تكن لهم ثقافة إسرائيلية يهودية! ظهرت فيهم ثقافة هي مزيج من هذا وذلك، لم تكن طبيعية بحال من الأحوال.. كانت هنالك محاولات للحفاظ على تراثهم، إلا انهم لم ينجحوا بالشكل الذي كانوا يتمنونه، لذلك نشأت حالة من فوضى الهوية والثقافة.

 

لم تكن هنالك قيادة موحدة تمثل قضايا العرب في منطقة النقب، لأن القبائل كانت منقسمة على نفسها لأسباب كثيرة، منها القبلي الصرف والذي يرتبط بموروث فرضته ظروف الحياة الصحراوية القاسية، ومنها السياسي ومنها أيضا الديني.. كانت كل قبيلة في الحقيقة دولةً مستقلة.. وقف على رأس كل قبيلة زعيم امتلك الصلاحيات الأدبية والعشائرية التي منحته الحق في إدارة شؤون قبيلته، إلا أن أحدا منهم لم يستطع التدخل في شؤون قبيلة أخرى حتى لو من باب النصيحة.. بكلمات أخرى، لم تكن هنالك اية قواسم مشتركة بين القبائل، فعاشت كل منها في (غيتو) فرضته على نفسها، معزولة عن اخواتها التي عاشت في نفس الحيز!

 

وصلنا منطقة النقب في توقيت اعتبرناه مثاليا.. الناس يبحثون عن حلول لأزمة هويتهم.. طرحوا كثيرا من الأسئلة: من نحن؟ هل نحن اسرائيليون؟ هل نحن عرب فلسطينيون؟ قسم من سكان النقب العرب توجهوا - بتشجيع من مسؤولين حكوميين - للسكن في بعض القرى (راهط كنموذج) التي أقامتها إسرائيل لتركيزهم على أضيق مساحة ممكنة من أرض النقب الشاسع والواسع! كان الانتقال من حالة البداوة إلى حياة المدينة امرا صعبا لم يكن التأقلم معه سهلا ولا سلسا! احتاج الأمر إلى صبر وجهد وتضحيات كبيرة في سبيل تجاوز الحالة النفسية والاجتماعية التي فرضها الواقع المَدينِيُّ الجديد..

 

كان هذا الواقع بالنسبة لنا أيضا تحدٍّ لا بد من التعامل معه بمسؤولية كبيرة، والعمل على تحويله الى رافعة لاستنهاض الهمم والطاقات الكامنة في المجتمع النقباوي، واستثمارها في عملية بناء من نوع آخر يجمع بين الاصالة والحداثة، ويشكل أملا للأجيال القادمة في تشييد واقع جديد يضمن كرامتهم، ويصون هويتهم من جهة، ويرفع من أدائهم تجاه أنفسهم وتجاه الحكم المركزي من جهة ثانية، ويعمق صلتهم بباقي مكونات المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، والتي انقطعوا عنها لعقود بعد النكبة، عاشوا خلالها في عزلة كاملة تقريبا سوى بعض حالات التواصل الضيقة على المستويين التعليمي والصلات الشخصية بين شخصيات من النقب وأخرى من المثلث والجليل من جهة ثالثة..

 

في الحقيقية واجهتنا عدد من التحديات.. أولها الظروف المناخية القاسية التي لم نتعود عليها، وثانيها، الظروف البيئية في المدارس المنتشرة على سطح الصحراء المترامية الأطراف دونما خدمات في حدها الأدنى، وثالثها، الاختلاف في العادات والتقاليد وحتى في اللهجة العربية التي تحتاج لمتابعتها وفهمها إلى بذل جهود خاصة..

 

كما قلت، كانت مهمتنا الدعوية أساسا مُنْصَبَّةً في اتجاه تحويل الصلة بين عرب النقب وبين الإسلام من حالة الانتماء التقليدي إلى حالة انتماء عميق يجعل حياة الفرد والجماعة منضبطة بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء وتعاليمه السامية، ومتفقة مع مراد الله تعالى فيما امر وفيما نهى.. بكلمات أخرى، كان هدفنا ان يتحول الإسلامُ بكل تعاليمه كنظام شامل للحياة، الأساسَ الذي تنبني عليه عملية البعث الجديدة للمجتمع العربي البدوي في النقب.. احتاجت هذه المهمة منا إلى جهود خاصة لوضع الرؤية وتحديد الرسالة والوسائل بعد ان حددنا الهدف الأساس (الأصل) والاهداف الفرعية.. كما احتاج الامر منا إلى وضع منهاج متكامل للتدريس تماما كما هو في المدارس التي عملنا فيها، ولكن بمضامين مختلفة تتناسب والاهداف التي وضعناها.. لم نترك شيئا للصدفة أبدا.. أردنا ان نتدرج في تدريسنا لجمهور الهدف من الرجال والنساء والكبار والصغار والشباب والشيوخ، بشكل يضمن الا نُقدم ما يجب تأخيره، او نُؤخر ما يجب تقديمه.. كان كل شيئ محسوبا بدقة.. صعدنا السُّلَّمَ درجة درجة، وقطعنا الطريق خطوة خطوة دون إفراط او تفريط، ودونما تهويل او تهوين.. جمعنا في لقاءاتنا التعليمية بين الأسلوب النظري والعملي خصوصا فيما يتعلق بفرائض الإسلام كالصلاة مثلا..

 

نجحنا في إقامة مجموعات منتقاة من الشباب في كل قبيلة رأينا انهم يمتلكون القدرة على التقدم بسرعة على طريق التغيير المطلوب.. حرصنا على شملهم في لقاءات مكثفة أشبه ما تكون بدوراتٍ تدريبةٍ هدفها تأهيل كوادر قادرة على حمل الراية والمضي بها في القبائل لإحداث النقلة النوعية التي كان المجتمع العربي الإسلامي في النقب يستحقها وبجدارة. في البداية كنا – نحن المعلمين من المثلث والشمال – حلقة الوصل بين هذه المجموعات التي أقمناها في القبائل، ومن هنا بدانا الخطوات الأولى لتنظيم عمل جماعي عابر للقبائل ومستند إلى قيم الإسلام العظيمة التي جبلت المجتمعات القبلية قديما وصهرتها حتى تحولت إلى أمة نسيت ما كانت عليه من فرقة ونزاعات وصراعات، وتخلت عما ورثته من نَزَعات وثارات، وَحَثَّتْ الخُطى نحو حالة جديدة شَعَرَ معها الجميع بطعم ومعنى جديدين للحياة. وصل الأمر درجةً لو أردنا معها عقد اجتماع من ألف شخص، كنا نحن القادرين على ذلك، بلا تلفونات وبلا خلويات وبلا ايميلات ولا مجموعات واتس أب او شبكات تواصل اجتماعي كالتي تتوفر اليوم.. كان الاتصال بسيطا جدا، تم عبر المجموعات التي شكلناها في كل قبيلة والتي اندفعت لخدمة ما استقر في نفوس عناصرها انه الحق الذي لطالما تاقوا إليه.. إنها القوة الربانية التي تُحَوِّلُ الانسان إلى طاقة لا تقف في وجهها سدود أو حدود.. 

 

لم يكن الامر سهلا بالنسبة لهذه الثلة من الاخوة البدو ان يتخذوا القرار بالمضي على الطريق الذي رسمناه معا.. إلا انهم ولحظة تجاوزوا حالة التردد، جاء القرار الحاسم الذي وضعهم على الطريق الصحيح.. كان إخلاصهم لدينهم ودعوتهم من نوع مميز، وكان عطاؤهم بلا حدود، وتضحياتهم في سبيل دينهم فوق كل تصور وخيال.. ببساطة، أعطوا كل ما عندهم في سبيل ما آمنوا به، وكأن روحا جديدة سرت في جسد مجتمعاتهم فأحيتها بعد موات، وأضاءت فضاءاتها بعد ظلمات.. كانت هذه الروح تمر من إنسان إلى آخر.. من رجل إلى رجل ومن امرأة إلى أخرى..

 

في كل يوم كنت انا وزوجتي نتحدث عن هذا المشروع، واتخذنا قراراتنا التنفيذية بخصوص تفاصيله العملية وخططه البرامجية.. كانت زوجتي تحدثني عن ذات التحديات التي تواجهها في عملها مع النساء والتي هي ذاتها التي واجهناها مع الرجال.. الا ان النتائج في أوساط النساء كانت أكثر مبشرة ومشجعة كَمّاً وكيفا مما كانت عليه في أوساط الرجال.. يمكن ان تعود أسباب ذلك لما تتمتع به المرأة من عاطفة جياشة تجعل استجابتها لمنادي الايمان أسرع وأكثر عمقا من الرجال الذين يتمتعون بعقليات أكثر تعقيدا، أضافة إلى اعتبارات اجتماعية وجهوية لها في نظر الرجال وزنا أكثر منه في نظر النساء.. لم يكن أحد يحلم في تلك الفترة ان تصبح المرأة قيادية في مجتمعها، حيث كان عمل النساء في حينه مقتصرا على مهمتها في البيت، ولذلك كان التواصل بين النساء في القبيلة الواحدة ضعيفا، ناهيك عن التواصل بين النساء من قبائل شتى.. شجعنا النساء على طلب العلم، والتزود بالمعرفة.. قدَّمنا للنساء وجبات علمية ومعرفية حول رأي الإسلام في كل شيئ بما في ذلك ظاهرة (تعدد الزيجات) المنتشرة في اوساط الرجال في النقب.. كان طَرْقُ مثل هذه المواضيع حساسا إلى حد بعيد، إلا أن تركيزنا كان على الإسلام ودعوته للعدل والانصاف والمساواة في التعامل حرصا على نشئٍ صالحٍ وصحيٍّ نفسيا واجتماعيا.. كنا حريصين عند التطرق لهذه المواضيع الحساسة ان تصل المعلومات الصحيحة لكلا الطرفين الرجال والنساء منعا لأي سوء فهم او ارباك في المشهد الأسري الذي ساد في المجتمع العربي في النقب لفترة طويلة حتى أصبح من المسلمات والثوابت القاطعة.. حرصنا على الا ندخل في تفاصيل التفاصيل.. بدا التغيير بطيئا إلا انه كان عميقا ومؤثرا..

 

إيمانا منا بان الإسلام منهاج حياة شامل، لم يقتصر نشاطنا فقط على التوعية الدينية التي كانت هي الأساس الذي يقوم عليه البنيان الاجتماعي، فقد تجاوزناها إلى تقديم منظومة من الخدمات والاستشارات الاجتماعية والحقوقية ذات العلاقة مع مؤسسات الدولة ذات الصلة.. شعرنا ان هنالك سياسة تجهيل متعمدة تستعملها أذرع الدولة المختلفة تجاه العرب في النقب، هدفها إحكام السيطرة عليهم وتشديد قبضة الضبط لحركتهم حتى يظلوا طوع يمين السلطة.. كان لا بد من قلب الطاولة في وجه هذه السياسة، فكانت اولى خطواتنا في هذا الاتجاه إطلاق مشروع توعية شامل بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية وغيرها، وتنظيم صفوف المجتمع بطريقة تجعله قادرا على المطالبة بهذه الحقوق والإصرار عليها في إطار القانون.. احدى الملفات الاجتماعية الحزينة التي عالجناها في تلك الفترة كمثل، ملف ذوي الاحتياجات الخاصة الذين لم يعرف المجتمع عموما كيف يكون التعامل معهم، او ما هي حقوقهم القانونية، وأي الأطر المناسبة لاستيعابهم! قدمنا للمعنيين من أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة خلاصة مفيدة وعملية حول مجمل حقوقهم وحقوق أولادهم في هذا الصدد، ساعدناهم في ملئ النماذج الخاصة بهذه الطلبات، واوصلناهم إلى الجهات الحكومية المكلفة قانونا بتقديم الخدمات لهذه الشريحة الضعيفة.. كان تضامننا مع الأولاد المعوقين وعائلاتهم عميقا إلى درجة اننا تعاملنا معهم كما لو كانوا أولادنا الذين هم من اصلابنا. كان النقص كبيرا، والتحديات كثيرة، إلا أن إصرارنا على المساعدة كان أكبر وأقوى من كل التحديات والاشكالات..    

            

كانت فرحتنا – كمعلمين - كبيرة عندما بدأنا نحس بنتائج عملنا الميداني.. شجعنا الاهل في النقب على التبرع والتطوع، وان يساعد القوي منهم الضعيف، والغني منهم الفقير.. تحدثنا عن قيم التكافل والتعاون والاخوة في الإسلام، بما في ذلك الحقوق المعنوية والمادية المترتبة على ذلك.. عرضنا أمامهم النماذج الرائعة التي صنعها الإسلام في هذا الصدد، واولها ما قدمه الأنصار للمهاجرين في المدينة المنورة، وهو النموذج الذي سيظل الجوهرة الاغلى في تاج قيم التاريخ الإسلامي العظيم.. تحدثنا عن عظيم الأجر والثواب الذي يحصل عليه المؤمن عندما يمد يده لأخيه المسلم لينتشله من كربة يعاني منها ويغوص في ظلماتها.. تحدثنا عن أهمية العمل الجماعي ودوره في تطوير المجتمع العربي وتقدمه.. أكدنا على ضرورة هدم كل الحواجز النفسية والاجتماعية التي مزقت الصف العربي في النقب، وجعلته لقمة سائغة في فم النظام الحاكم، وعلى أهمية العودة إلى روح الإسلام الذي صهر جميع القبائل والمجتمعات في إطار واحد: الأمة الإسلامية، فأصبح الجميع على اختلاف انتماءاتهم القبلية وغيرها، إخوانا مسلمين، يعبدون ربا واحدا، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، نبيهم واحد، وغايتهم واحدة: الله..

 

بهذه القيم كان للعرب شأن، وأصبح لهم وزن.. تغلغلت هذه المفاهيم إلى أعماق نفوس الاهل في النقب، فكانت نتائجها في واقعهم مصدر فخر وعز.. يتبع.......................

 

**** قيادي في الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

 

**** الرئيس السابق ل - "جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية" في الداخل الفلسطيني

 

 



الكتابات والمواضيع المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تعبر عن رأي كاتبها والمسؤولية القانونية يتحملها الكاتب . للتواصل مع موقع القرية نت . عنوان بريدinfo@alqaria.net / هاتف رقم:0507224941


الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
قنوات ألقرية نت
Copyright © kufur-kassem.com 2011-2018 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع القرية نت
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق