للاعلان والاتصال بنا
050-7224941
050-4224941
fax: 03-9073572
info@alqaria.net
لمزيد من التفاصيل



ابحث في موقع القرية
يوم الاربعاء الموافق
14.11.2018

(توقيت القدس)
22/08/2018 - 10:08:49 am
ذكريــــــات لا مذكــــــــــرات.. (13)....!!!! بقلم: الشيخ كامل ريان – كفر برا 

تحدثت في الحلقات الثلاثة الأخيرة من هذه المذكرات عن تدخل جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك) في العقود الأولى بعد قيام إسرائيل وحتى نهاية التسعينات، في شؤون التعليم العربي تعيينا وفصلا وتقديما وتأخيرا ونقلا، ودوره في تحديد المضامين (أهداف التعليم) بما يخدم اهداف الصهيونية الاستراتيجية في (تطويع وتدجين) الأقلية العربية الفلسطينية فيها.. 

 


كما وتحدثت في الحلقة الأخيرة عن "أسرة الجهاد" واتهامي واتهام زوجتي ب – (العلاقة!) بها رغم إنكاري الشديد لذلك، ورغم عدم توفر أية أدلة لدى جهاز المخابرات تثبت التهمة ضدنا.. إلا أن (الشاباك) قرر عقابي وعقاب زوجتي للأسباب التي سترد لاحقا، والتي ظهرت بوضوح في اللقاء الذي جمع بيني وبين ممثل الشاباك في القسم العربي بوزارة المعارف في تلك الأيام..

 


تبدأ القصة بعد ان أبلغنا مدراء المدارس التي كنا نعمل فيها انا وزوجتي، ان أسماءنا غير مشمولة في قوائم المعلمين المعيَّنين للتعليم في السنة الدراسية 1981، وطلبا منا التوجه الى مفتش المعارف (ع.خ)، والذي أبلغنا بدوره ان نتوجه للقاء شخصية مهمة بيدها الحل والربط في وزارة المعارف في مدينة القدس، تبين فيما بعد أنه ممثل جهاز المخابرات العامة (الشاباك) في الوزارة.. ركبنا التاكسي وتوجهنا إلى حيث سيتقرر مصيرنا المهني، أن نظل في سلك التعليم، أم نبدأ مشوارنا في الحياة بعيدا عن هذا الميدان.. 

 


وأخيــــــــــرا وصلنــــــا الــــــــــوزارة..

 


أرى من أجل ان نربط الاحداث ببعضها، ومن أجل ألا ينفرط عقدها، ان أذكر باللقاء مع ممثل الشاباك في وزارة المعارف، والذي كان الحد الفاصل بين مرحلة انتهت ومرحلة أخرى قادمة.. 

 


وصلت مبنى الوزارة، وبعد انتظار قصير، دخلت انا وزوجتي، فقال مباشرة: "اترك زوجتك في الخارج في الوقت الحالي، وابق وحدك!".. لم نناقش.. بقيت زوجتي خارج المكتب، وبقيت انا، فبادرت بالسؤال: " لماذا لم يَرِد اسمي في قائمة المعلمين للسنة الدراسية الحالية؟"..

 


 يبدو ان مبادرتي بالسؤال قد فاجأته، فأبدى امتعاضا لم ينجح في إخفائه عني.. لربما توقع مني انحناء امامه، أو توسلا او نفاقا، طمعا في "عفو مغموس بالذل والعار!!" قد يعيدني الى المدرسة.. فلما رأى غير ما توقع، بادر بسؤال حاول من خلاله المحافظة على نوع من التعامل الرسمي، فقال: "أتريدني ان اتحدث معك بصراحة ووضوح ومكاشفة؟".. قلت: " نعم، هذا ما أريده، فما زلت حتى الآن لم أستوعب هذا الاجراء المفاجئ وغير المبرر لوزارة المعارف تجاهي وتجاه زوجتي دونما سبب او مبرر او مخالفة، أو حتى إبلاغ مسبق بالقرار الذي تفاجأنا به عند دخولنا المدرسة، الأمر الذي تسبب لنا بإحراج شديد امام المدير وزملائنا المعلمين!!"... 

 


فقال: " أنت عضو في الحركة الإسلامية، وانت عضو في (أسرة الجهاد).. صحيح اننا لا نملك ضدك أية ادلة مادية وقانونية قد تدينك، إلا أن لدينا تقارير وتقديرات بأنك تقف من وراء كل النشاط غير القانوني في النقب!".. قلت: "سمعتُ كما سمعتَ انت، أن اعمالا غير قانونية قد وقعت في النقب كحرق بعض حقول القمح، إلا أنك تعرف كما أعرف انا، أنني لا علاقة لي بما جرى لا من قريب ولا من بعيد، فأنا لا علاقة لي مطلقا بتنظيم (أسرة الجهاد). أما قولك، أنني عضو في الحركة الإسلامية التي أسسها ويرأسها الشيخ عبدالله نمر درويش، فهذا صحيح، وأنا فخور بذلك، واعتقد أنني لم أسمع - الا إذا أبلغتني بغير ذلك الآن – ان الحركة تنظيم غير قانوني.. الذي اعرفه ان الحركة الإسلامية جسم قانوني 100%، ولذلك لا أرى ان عضويتي فيها يمكن ان تكون سببا قانونيا لقرار فصلي من التدريس!".. 

 


عاد (مارغولين) للحديث مغالطا نفسه بشكل واضح، فقال: "لدينا ما يثبت أنك – بشكل عام – أحد المنظرين للحركة الإسلامية، واحد العقول التي خططت ليس فقط لمختلف النشاطات المدنية التي قامت عليها الحركة في النقب، وإنما أيضا للنشاطات غير القانونية التي نفذتها أسرة الجهاد.!!" ... قلت له: " أنت لا تستطيع أن توجه اليَّ مثل هذه الاتهامات جزافا دونما دليل، فالحقيقة هي أنني لا علاقة لي بأسرة الجهاد أبدا.. أبدا.. ولكن، لنفترض أن لي علاقة بهذا التنظيم، فما ذنب زوجتي؟!".. قال: "في قناعتنا أن زوجتك ضالعة في هذا الأمر أيضا، تماما مثلك!"... قلت له: "صحيح ان زوجتي هي اول من ارتدى الحجاب الشرعي، لكنها لا تعرف أحدا من النشطاء في الحركة الإسلامية، كما انها لم تلتق معهم أبدا"..

 


 فشل (مارغولين) في الوصول إلى ما أراد من خلال استعمال أسلوب (الترهيب والتخويف والترويع!!)، املا في الوصول الى مرحلة (التركيع!!)، ويبدو أنه وجد امامه رجلا من طينة أخرى لم يتعود عليها، وهو ابن المخابرات العامة ومن مخلفات الحكم العسكري البغيض، والعارف بأساليب هذه المؤسسات التي لطالما لجأت منذ النكبة إلى تشديد قبضتها على المجتمع العربي وتدجينه سيطرةً ضبطاً، بكل الأساليب وعلى رأسها (الترهيب والترغيب!!).. لما فشل في الأولى (الترهيب)، لجأ الى الأخرى (الترغيب) ظنا منه أنها ستنفع بعدما لم تنفع الأولى، فقال: "هنالك شيء واحد أطلبه منك، إن استجبت لي فيه، عدت إلى عملك فورا ليس كمعلم، ولكن كمفتش او مدير لإحدى المدارس!"..

 


رغم ان معلوماتي حول أساليب المخابرات كانت معدومة تقريبا، فالحركة الإسلامية التي كانت قد قطعت شوطا في عملها التربوي والتنويري والاصلاحي، لم تفطن ربما في تلك المرحلة المبكرة لضرورة (تسليح) كوادرها وخصوصا الميدانيين البارزين منهم ببعض الخبرات او المعلومات لمواجهة مثل هذا الوضع الذي زَجَّ بي القدر في أتونه، فإن فهمي للإسلام وعظمته، وللواقع السياسي وطبيعة الصراع وتعقيداته، واعتزازي بثوابتي الدينية والوطنية التي رضعتها مخلوطة بلبن أمي، كانت كلها كافيه بإفشال محاولات رجل المخابرات في وزارة المعارف، ورد كيده على نحره.. 

 


لم يكن من الصعب عليَّ أن التقط ما أراد بعرضه الذي ذكرت، إلا أنني أردت ان أكون متأكدا ليكون ردي لائقا بوقاحته، فقلت: " وماذا تريد مني مقابل ما عرضت عليَّ من عودة فورية لعملي ليس كمعلم كما كنت، ولكن كمفتش او مدير في إحدى المدارس؟!".. فقال متململا، وكأنه يدخل مغامرة غير محسوبة العواقب: " ان تعمل معنا!!".. 

 


تأكدت تماما من نيته، فقد أفصح عنها بشكل واضح لا يحتمل اللبس او التأويل.. أراد تجنيدي لصفوف (الشاباك).. هكذا بكل بساطة!! كانت لحظة فاصلة في تاريخي الشخصي رغم صغر سني (في العشرينات من العمر)، تخيلت فيها باطل وسخف الأجهزة الإسرائيلية وقد اجتمع كله في تلك اللحظة، وكان لا بد من أن أجمع كرامتي وديني ووطنيتي وسمعتي كلها في مواجهته مهما كانت النتائج.. 

 


شعرت أنني لم أمثل نفسي في تلك اللحظة، وإنما مثلت كل أهلي وشعبي، كما ومثلت كل قيمي ومبادئي واخلاقي واعرافي وتقاليدي الجميلة، في مواجهة كل قبائح الطرف الآخر.. كان لا بد من الانتصار في هذه المواجهة، وإلا كان الانهيار.. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي: أن أكون أو لا أكون!! هكذا بالضبط، وهكذا كان شعوري حينها..

 


 اندفعت نحوه بصوت كالرعد قائلا: "سيد مارغولين، يبدو أنك اخطأت العنوان، او إنك لم تدرس ملفي جيدا، او ربما أسأت تقدير الوضع حتى تجرأت فقدمت عرضك الغريب! اعلم أنني لم اتعلم من اجل هذا، ولا من اجله تربيت في بيتي وحركتي.. انا متنازل عن كل وظائفكم، ولكن ليكن معلوما لديك أنني لن اتنازل عن حقي، وسأخرج من عندك للتشاور مع محامي في هذا الشأن.. لا أدري إلى اين يمكن ان تصل التطورات في هذا الملف، لكني لن أتردد في إيصاله الى أروقة المحاكم والتي اعتقد انها ستنصفني، وسأعود لوظيفتي دون الحاجة الى اللجوء اليك.. أما إن حصل العكس، وقررت المحاكم أن تنحاز إلى موقفكم، فأنا ابلغك منذ الآن أنني متنازل تماما عن العمل في التدريس رغم رغبتي في ذلك، لكنني لن اعود إلى وظيفتي أو لأية وظيفة مهما عَلَتْ، على دبابة (الشاباك)، وتحت حراب المخابرات.. لن أقبل بأية وظيفة إذا كان هذا هو الثمن الذي سأدفعه في سبيلها، ولن أكون أفضل من 36 معلما من أبناء الحركة الإسلامية، او من أنصارها المقربين والمؤيدين، الذين تم فصلهم في ذلك العام ولنفس الأسباب.. آن لكم أن تفهموا أنكم تتعاملون مع جيل يرفض الذل والاستسلام، ويأبى الدنية في كرامته ودينه وشرفه ووطنيته، ويؤمن ان الحق يُنتزع انتزاعا وبالطرق القانونية والوسائل السلمية، ولا يُمنح على طبق من ذهب!!"..  

 


تفجر اللقاء، وانسحبتُ من مكتب ممثل المخابرات وانا على ثقة ان هذا آخر اللقاء بي مع سلك التعليم، وان الله سبحانه قد رسم قدري منذ كنت في رحم امي، وما هذه التجربة في سلك التعليم الا (بروفا) أو (دورة تأهيل) أولية أعدتني لما ستاتي به الأيام لاحقا..

 


وداع النقب الحبيب، وذكريات الطفولة ...

 


قمت وزوجتي بإنهاء تعاقدنا مع صاحب البيت الذي أجَّرْناه في مدينة بئر السبع، وأنهينا مهامنا في المنطقة، ثم ودَّعنا أهلنا في النقب على امل اللقاء قريبا في ميدان العمل الإسلامي بعيدا عن الوظائف الرسمية والتزاماتها.. 

 


ركبنا الباص من المحطة المركزية في مدينة بئر السبع، والذي اخذ يشق طريقه الى مدينة تل أبيب ومنها إلى قريتي الصغيرة كفر برا، وهو الطريق الذي تعودنا قطعه ذهابا وإياها من وإلى النقب خلال السنة الدراسية المنصرمة..

 


وانا انظر إلى الأفق الذي اختفى وراء طبيعة خلابة تمر صورها الرائعة سريعة أمام ناظرينا، تذكرت بعضاً من صور الطفولة البعيدة في قريتي كفر برا القريبة من مدينة كفر قاسم.. لا أدرى لماذا مَرَّ طيفُ تلك الذكريات في هذه اللحظات الحزينة بالذات؟! ربما تسللت إلى ذاكرتي بتقدير من الله لتذكرني بأن الذي رعاني في سنوات الطفولة حتى وصلت إلى هذه اللحظة، وان الذي قَدَّرَ لي هذه التجربة المُرَّةَ في بداية حياتي، قادر على ان يرعى حياتي في المرحلة الجديدة، وأن ييسر لي أسبابها ويمهد لي طريقها، ويفتح لي أبوابها.. 

 


كانت الحياة في قريتي الصغيرة كفر برا في ستينات القرن العشرين المنصرم بسيطة جدا رغم صعوبتها ووعورة تضاريسها الحياتية التي تميزت بالقسوة، والكفاح الدائم والحفر بالأظافر والايدي العارية في صخر الحياة الصلب من اجل تأمين الحياة الكريمة.. عشت طفولتي في تلك السنوات بشكل طبيعي بين أصحابي.. لم يكن الطريق الطويل التي امتد لبضعة كيلومترات، والذي احتاج منا ساعتين لِقَطْعِهِ ذهابا وإيابا من المدرسة واليها، لِيُشَكِّلَ قصة تسترعي الانتباه او تستحق الملاحظة والمتابعة.. لم نتمتع في ذلك الوقت بما يتمتع به الطلاب اليوم الذين يضطرون للسفر الى مدارس خارج بلدانهم، حيث لم يكن السفر منظما، كما لم تتوفر وسائل السفر كما هي في هذه الأيام.. لم يُلْقِ أحدٌ بالا أيضا إلى ان الطريق التي كان علينا كأطفال صغار ان نقطعها كانت ترابية مغبرة في أيام الصيف، موحلة وموحشة في أيام الشتاء، إلى درجة اننا كنا نصل صيفا إلى مدراسنا وقد تعرقت اجسادنا وتقرحت أقدامنا، وأنهكنا التعب، وان نصل اليها شتاء وقد ابتلت ثيابنا وبردت عظامنا حتى النخاع، نرتعد من شدة البرد بينما التصق الوحل بأحذيتنا وثيابنا.. كان قَطْعُ الطريق من المدرسة واليها مغامرة يومية لم يكن أحد يستطيع ان يتنبأ بما يمكن ان تنتهي اليه من كوراث..      

 


لك تكن تلك فترة سهلة لنا كأقلية عربية فلسطينية عاشت تحت الحكم العسكري من عام 1948-1949 وحتى العام 1966، فقد قَيَّدَ الحكمُ العسكريُّ حركةَ شعبنا بالرغم من اننا أصبحنا مواطنين في دولة إسرائيل، وضّيَّقّ علينا سبل الحياة من خلال مجموعة إجراءات عنيفة وقاسية جعلت حياتنا غاية في الصعوبة والقسوة.. في تلك السنوات الأولى بعد قيام إسرائيل لم تستطع القيادة الصهيونية ان تستوعب وجود نحو 150 الفا من العرب الفلسطينيين الذي نجوا من جحيم النكبة، وظلوا على أرض وطنهم بالرغم من كل التوقعات والتكهنات، وبالرغم من الخطط الصهيونية الموضوعة والتي هدفت كلها إلى إخلاء الأرض التي سيطرت عليها إسرائيل في حرب العام 1948، من أي وجود فلسطيني.. أرادوها دولة يهودية خالصة بلا (منغِّصات) من أي نوع، وخصوصا من النوع الذي يذكرهم بأنهم طارئون، وأن فلسطين لها شعبها وأهلها، وأنها لم تكن خاليةً وخَرِبَةً كما ادعى منظروا الحركة الصهيونية وروادها..

 


الحكم العسكري الذي انتهى جسدا وبقي روحا..

 


في كتابه (الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل/في ظل الحكم العسكري وإرثه)، إصدار مركز مدى الكرمل، حيفا، 2014، وضع بروفسور مصطفى كبها تصورا دقيقا عن الحكم العسكري وآثاره المدمرة على المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. 

 


يقول بروفسور كبها: (بعد عاصفة النكبة التي ضربت الشعب الفلسطيني عام 1948 وعصفت بكينونته ومقدراته وحولت أجزاء كبيرة منه إلى لاجئين في الشتات، بقي في إطار الدولة اليهودية التي أقيمت في أعقاب تلك النكبة قرابة مئة وخمسين ألفاً من الفلسطينيين فرض عليهم نظام الحكم العسكري الذي كان القصد الأولي منه تحديد تحركاتهم والتحكم بالعمليات الجارية في أوساطهم ومنع تواصلهم مع المحيط العربي العام. بل جرى العمل كذلك على منع التواصل بين مكونات الأقلية القومية العربية والتي تركزت في ثلاثة تجمعات أساسية لا تواصل جغرافياً بينها (الجليل والمثلث والنقب)، بالإضافة إلى التجمعات الصغيرة التي تبقت في ما عرف لاحقا بالمدن المختلطة كحيفا ويافا واللد والرملة وعكا. 

 


كان نظام «الحكم العسكري» هو الجهاز القانوني ـ العسكري ـ السياسي الذي مكّن، بعد 1948، السلطات الإسرائيلية من استمرارية بناء الدولة اليهودية، بحسب أساليب «البيت القومي» في فترة الانتداب، أي: بناء مؤسسات وأنظمة الدولة من دون العرب ومع تجاهل وجودهم. وقد كانت الفرضية الأساسية التي حركت أنظمة هذا الحكم وآلياته هي النظر إلى المواطنين على أنهم خطر أمني استراتيجي داهم، أو كما وصفهم بعض مصممي الرأي العام الإسرائيلي، في حينه، بأنهم «قنبلة موقوتة» أو «طابور خامس» أو «مشكلة أمنية مزمنة». وقد غذت هذه الأوصاف مخيلة مَن تعامل مع المواطنين العرب من موظفين وضباط وجنود... الخ، وأضحت أساساً للتعامل معهم طيلة سنوات الحكم العسكري، بل لا نبالغ إذا قلنا إن ذلك ما زال مستمراًَ حتى أيامنا هذه. 

 


لقد قرر مجلس الدولة الموقت في أثناء حرب 1948 أن يطبّق على الجليل والمثلث والنقب وعلى مدن الرملة واللد ويافا ومجدل-عسقلان (التي هجر سكانها لاحقاً عام 1951) أي على المناطق التي كانت مأهولة حين انتهاء المعارك بأغلبية عربية كبيرة ـ سيادة خاصة لحكم عسكري. في البداية تم وصف هذه المناطق بأنها «مناطق مدارة» وذلك لأنها وقعت بمعظمها ضمن الأراضي المخصصة للدولة العربية بحسب قرار التقسيم. ولكن مع تقدم الوقت نظرت السلطات الإسرائيلية إليها على أنها جزء من الدولة وليست «مناطق مدارة» مرشحة للإعادة والإخلاء في حالة تم الاتفاق على ذلك. 

 


منذ ذلك الحين وحتى وقف العمل بالحكم العسكري خلال سنة 1966، كان هذا الحكم هو الجسم المؤسسي المركزي الذي نشط في صفوف الأقلية العربية في إسرائيل. وقد اعتمدت الصلاحية الدستورية للحكم العسكري على أنظمة الدفاع الانتدابية لزمن الطوارئ (1945) التي تبناها مجلس الدولة الموقت وبعده الكنيست الإسرائيلي، إضافة إلى قوانين انتدابية أخرى جرى استغلالها لإضفاء صفة الشرعية على نظام الحكم العسكري وتسهيل أمر قبول تبعاته خاصة فيما يتعلق بالأبعاد الأخلاقية والسلوكية. وقد طبّقت هيئات الحكم العسكري خمسة بنود فقط من بين 162 بندًا من أنظمة الطوارئ، ثلاثة منها (رقم 110، 111، 124) هدفت إلى تمكين الحاكم العسكري من السيطرة، والحد أو حتى منع الحركة للمواطنين الواقعين تحت سلطته. أما البندان الآخران (رقم 109، 125) فقد هدفا إلى تمكين الحاكم العسكري من منع دخول المواطنين إلى مناطق أُعلن عنها أنها مناطق مغلقة. وقد سهل تطبيق هذه البنود على سلطات الحكم العسكري والسلطات الإسرائيلية بشكل عام تطبيق سياساتها تجاه المواطنين العرب تحت ستار الحفاظ على الأمن العام، وخاصة سياسة مصادرة الأراضي وشرعنتها بحيث تم استغلال أحد بنود نظام الطوارئ والذي يبيح للوزير المعني مصادرة أي ارض يمر عليها حول ولم تفلح، ولا سيما أن أصحابها لم يتمكنوا من الوصول إليها بسبب عدم حصولهم على التصاريح اللازمة لذلك. ومن الجدير ذكره هنا أن هذا الاستغلال لقوانين الطوارئ خلال فترة الحكم العسكري من مصادرة ما يقارب الخمسة ملايين دونم، وهو رقم لم تصل إليه المؤسسات الصهيونية الفاعلة منذ بداية المشروع الاستيطاني اليهودي عام 1881 وحتى العام 1948. 

 


وقد اتضح بناء على الحقائق الديمغرافية في المنطقة الخاضعة لسلطة الحكم العسكري أن مهمته الرئيسية كانت مهمة مدنية وهي: مراقبة لصيقة على الأقلية العربية، بحيث كانت لهذه المراقبة التي عُرّفت بأنها «مراقبة أمنية»، تعبيرات كثيرة تركّزت في منع حرية الحركة وحرية العمل وحرية التنظيم السياسي في أوساط المواطنين العرب. 

 


كان الهدف من نشاط الحكم العسكري التوصّل إلى حالة تقارب الإلغاء لمعاني المساواة العملية للمواطنة التي مُنحت للعرب، وإفراغها من معظم تبعاتها وأبعادها، ليتسنى إقصاؤهم عن جميع أجهزة الدولة اليهودية، وليسهل سياسة التمييز ضدهم في كل مجال، وتعميق التجزئة والتمزق والتشرذم في صفوفهم، من أجل منع تبلورهم في جماعة قومية، وحتى إبعادهم الجسدي – في حالة أن الأمر كان ممكنًا كجزء من جهاز عسكري آخر. وحقاً، جاءت عملية إلغاء الحكم العسكري البطيئة بعد أن استخلصت المؤسسة الإسرائيلية العِبَر من حرب سيناء (1956) ومجزرة كفر قاسم التي واكبتها ومن ضمنها الإدراك بأن الأقلية العربية لن تبادر إلى مغادرة البلاد. 

 


إن التعبير الصريح عن كون الحكم العسكري جهازًا عسكريًا نشط في شؤون مدنية هو أن ضابطًا بدرجة عميد كان رئيسًا للحكم العسكري في هيئة الأركان العامة، وفي الوقت ذاته رئيسًا لقسم الحكم العسكري في وزارة الأمن. وقد كان هذا الضابط، في وظيفته المدنية، ملحقًا برئيس الأركان، وفي وظيفته المدنية ملحقًا بوزير الأمن. 

 


في سنة 1959 صرح مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية أنه في سنة 1949 كان المواطنون العرب «مرتبكين، معزولين، منقسمين ومذعورين». وعلى العكس تمامًا من هذا الوصف، فإن الركيزة المبدئية والجماهيرية والسياسية للحكومة، عند إنشائها واستمرارها في تنفيذ الحكم العسكري، كانت الادعاء بأن هؤلاء المواطنين يشكّلون خطرًا أمنيا على وجود الدولة اليهودية. وقد قُبل هذا الادعاء على انه صحيح وواقعي وتعرّض إلى نقد بسيط. مع هذا، فمنذ سنوات الدولة الأوائل طُرحت على مستوى الجماهير الإسرائيلية، في الكنيست وفي قيادة حزب مباي، انتقادات وتحفظات عن طابع الحكم العسكري ومهماته وحتى عن الحاجة إلى وجوده. ولذا، فإنه منذ إقامته قام موظفون معينّون ولجان بفحص نجاعته، وأُحدثت فيه تغييرات جوهرها تقليص المساحة التي كانت تحت سيادة الحكم العسكري. 

 


لكن، على الرغم من أن الاحتجاج البرلماني والشعبي ضد مجرد وجود الحكم العسكري ازداد حدّة منذ نهاية الخمسينيات، إلا أن الجهاز العسكري للحكم لم يُلغ في حينه بسبب تعريف راسمي السياسة الأمنية للدولة، وعلى رأسهم من كان حتى 1963 رئيسًا للحكومة ووزيرًا للأمن، دافيد بن غوريون، لمهمة الحكم. هذه القيادة أمسكت (حتى 1965) بزمام الحكم العسكري كأداة أساسية لتحقيق السيطرة على العرب، وإقصائهم عن الأجهزة السياسية وتنفيذ مشروع تهويد وعبرنة البلاد، وأحيانًا حتى بشكل أساسي، كوسيلة ردع للخارج. وهكذا، فإن استمرار وجود الحكم العسكري جاء ليبرهن للدول العربية أن حكومة إسرائيل لا تقلص قوة الجيش الإسرائيلي، ولا تغرق في اللامبالاة، إنما تبقى متيقظة للخطر الوجودي الذي كانت معرضة له، والذي شكل الشماعة التي علقت عليها أوزار الحكم العسكري. 

 


صحيح أن نظام الحكم العسكري تم إلغاؤه في تشرين الثاني 1966، ولكن موروثه من آليات عمل وسياسات وسلوكيات سلطوية تجاه المواطنين العرب ما زال يشكل الأرض الصلبة لسياسة التمييز الصارخ بحق هؤلاء المواطنين، للمحاولات الدائبة لتهميشهم وتغييبهم ونزع الشرعية عنهم، بل ترحيلهم القسري من ديارهم الذي بات طرحاً سياسيا متداولاً في ردهات السياسة الإسرائيلية.).. انتهى.. 

 

يتبع ........
بقلم الشيخ كامل ريان – كفر برا *** قيادي في الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، والرئيس السابق لجمعية (الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية).. 



الكتابات والمواضيع المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تعبر عن رأي كاتبها والمسؤولية القانونية يتحملها الكاتب . للتواصل مع موقع القرية نت . عنوان بريدinfo@alqaria.net / هاتف رقم:0507224941
الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
قنوات ألقرية نت
Copyright © kufur-kassem.com 2011-2018 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع القرية نت
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com
X أغلق