
محمد عواد
حاسة السمع مهمة جدا للاتصال مع الاخرين ولتأمين التطور السليم في المجالات العقلي الحسي والاجتماعي. ويصيب الصمم الخلقي (أي الاصابة بالصمم مُنذ الولادة) قرابة ثلاثة من كل 1000 مولود جديد. وهذه النسبة تزداد بقيمة 8 أضعاف إذا وجدت عند المولود عوامل خطر معروفة للصمم مثل: الصمم العائلي, عاهات خلقية في الوجه والأذن, الصفري الحاد, التهاب فيروس CMV والحاجة للعلاج المكثف بعد الولادة. لذلك فالاكتشاف المبكر للصمم عند المولود الجديد له أهمية قصوى حيث يتيح التدخل الفوري وحل المشكلة بواسطة جهاز للسمع أو عملية زرع قوقعة الأذن الداخلية cochlear implant.
ومنذ بداية سنة 2010 تلزم وزارة الصحة كل المستشفيات في البلاد بإجراء مسح للسمع عند المواليد الجدد قبل مغادرتهم المستشفى. وينفّذ الفحص، عادة، بعد الولادة بواسطة أجهزة مخصصة لهذا الغرض،بحيث ينفّذ في المرحلة الأولى فحص يدعى OAE) (otoacoustic emissions)) (صورة2) لكل المواليد الجدد حيث يفحص الجهاز رد فعل الخلايا الشعرية الخارجية في قوقعة الأذن الداخلية لأصوات معينة. فإذا كانت نتائج الفحص سليمة في كلتا الأذنين فلا حاجة لفحوصات سمع أخرى في هذه المرحلة وتستكمل مراقبة السمع في عيادات الأم والطفل. أما إذا تمخض الفحص الأولي عن خلل في السمع, عندها يُجرى فحص إضافي يدعى AABR (صورة 3) والذي يفحص سلامة عصب السمع وجذع المخ السمعي. إذا تبيّن استمرار وجود خلل في السمع, عندها يُوجّه المولود فوراً لمركز سمعي لإتمام فحوصات أكثر دقه وبدء العلاج في جيل مبكر.
وبعد بداية المسح الشامل للسمع عند المواليد الجدد في مستشفى «رمبام» في حيفا لاحظ الطاقم السمعي حالات فشل أكثر في فحص السمع (OAE) عند الأطفال الذين ولدوا بعملية قيصرية مقارنة بالأطفال بعد ولادة طبيعية، عندها قرر البروفيسور عماد مخول من كلية الطب في التخنيون ومدير قسم المواليد الجدد في مستشفى رمبام إجراء بحث حول الموضوع وشكل طاقم بحثٍِِ كان من بين أعضائه طالب الطب من التخنيون ميسم ذباح ( الذي يرشده البروفيسور مخول في إعداد اطروحة الطب النهائية) وشمل الطاقمين السمعي والطبي في القسم. وكان البروفيسور مخول قد تكهن بأن نسبة الفشل العالية بفحص السمع بعد الولادة بعملية قيصرية قد تنبع من استمرار وجود سوائل في الأذن الوسطى لمدة أطول بعد الولادة عند هؤلاء المواليد، مقارنة بالوضع بعد ولادة طبيعية. وحول هذا الموضوع ينوّه البروفيسور مخول: أن الأذن الوسطى ورئة الجنين مملوءتان بالسوائل. بينما في الولادة الطبيعية تفرغ أكثرية هذه السوائل من الأذن الوسطى والرئة عن طريق الأنف والفم خلال عملية عصر الصدر عند عبوره مجرى الولادة وهذا يتيح ملء الرئتين بالهواء عند بداية التنفس بعد الولادة. أما في الولادة القيصرية فالمولود لا يعبر مجرى الولادة مما يؤدي إلى تفريغ بطئ ومتأخر للسوائل من الأذنين والرئتين بعد الولادة. وفي هذه الحالة يعاني المولود من مشاكل في التنفس لعدة ساعات أو حتى لأيّام. وكل ما ذكر أعلاه يدعو إلى الافتراض بأن عملية التفريغ البطيء للسوائل بعد ولادة قيصرية تشمل أيضا الأذن الوسطى مما قد يُفشل فحص السمع الأولي عند ألطفل المولود بعملية قيصرية.
وحول نتائج البحث قال البروفيسور مخول أن الولادة القيصرية تشوش فحص السمع الأولي عند المولود الجديد وأن نسبة الفشل بفحص السمع بعد ولادة قيصرية تزيد ثلاثة أضعاف، مقارنة بولادة طبيعية. وكل هذا يلزم الطاقم السمعي بإعادة فحص السمع مما يزيد من قلق ومخاوف الأم بالنسبة لسمع مولودها وسلامته. وقد عرض البروفيسور عماد مخول نتائج البحث قبل أسبوعين في المؤتمر السنوي للجمعية الأمريكية لأبحاث الأطفال والذي عقد في مدينة بوسطون. بالاضافة الى ذلك سيتم نشرالبحث قريبا في المجلة الطبية الأرقى في طب الأطفال عالميا (PEDIATRICS).
مع بداية سنة 2012 وبناءً على نتائج البحث المذكور أعلاه قرر البروفيسور عماد مخول إرجاء فحص السمع الأوّلي عند المواليد بعملية قيصرية إلى اليوم الثالث أو الرابع بعد الولادة بينما يستمر فحص السمع بعد ولادة طبيعية بدون تغيير (أي خلال الـ 48 ساعة الأولى من حياة المولود). وقال البروفيسور مخول إنّ هذا التغيير في توقيت الفحص لا يُؤخّر تسريح الأطفال فكل مولود بعملية قيصرية يبقى في المستشفى خمسة أيام حتى تُسرّح أمه. وفي نهاية العام الجاري (2012) سيجري البروفيسور مخول وطاقمه تقييما لمدى نجاعة التغيير بتوقيت فحص السمع للطفل بعد عملية قيصرية. وسيشمل هذا التقييم مدى انحسار نسبة الفشل بفحص السمع الأوّلي, التوفير بساعات عمل الطاقم الطبي ومدى تجنيب الأمهات القلق على سمع أطفالهن. وقد كلّف البروفيسور مخول طالبة الطب من التخنيون شريهان عواودة بتنفيذ هذا البحث الإستكمالي ضمن اطروحة الطب النهائية.
ويلخّص البروفيسور مخول حديثه حول البحث قائلاً: البحث يشكل مثالاً حياً لبحث صحيح من حيث أخذ الملاحظة الطبية الأوّلية على محمل الجد, الفكرة السبّاقة لأسبابها المحتملة, فحصها بطريقة علمية, إثبات فرضية البحث, تطبيق نتائجها والتأكد من الحصول على النتائج المرجوة منها. كما أنّ نشر البحث في الولايات المتحدة في أرقى مجلة طبية للأطفال في العالم، إن دل على شيء فإنما يدل على أهميته وحداثته, وقد يؤدي إلى تغيير في التوصيات الطبية عالميا بصدد التوقيت الأمثل لفحص السمع عند المواليد الجدد.
الكتابات والمواضيع المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وانما تعبر عن رأي كاتبها والمسؤولية القانونية يتحملها الكاتب . للتواصل مع موقع القرية نت . عنوان بريدinfo@alqaria.net / هاتف رقم:0507224941

صفحة البيت
اضفنا للمفضلة
اجعلنا صفحة البداية

